أجوان : بنت الماندان

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.
أجوان : رائعة الكاتبة الإماراتية نورة النومان

أجوان : رائعة الكاتبة الإماراتية نورة النومان

كنت في زيارة لمعرض الكتاب في الشارقة ، وكنت قد استهلكت كل ما معي من مال في شراء مجموعة من الكتب والروايات وقصص الأطفال ، مع بعض الألعاب التعليمية لأطفالي ، وكنت في طريقي للخروج من المعرض حينما رأيت هرماً من النسخ لرواية سوداء اللون لفتت انتباهي .. اقتربت منه ، فإذا ( أجوان: قصة من الخيال العلمي) ..

 

أنا من عشاق الخيال العلمي ؛ قراءةً وكتابةً ، وقد سبق أن كتبت عنه مقالة من جزئين في الصحيفة  [ هنا الجزء الأول ] و  [ هنا الجزء الثاني ] لذلك شدتني الرواية ، غير أنني لم أشترها في حينها بسبب استهلاكي لمعظم ما عندي من مال ، ولم يبق معي إلا ما هو ضروري .

 

لم أشتر الرواية ، لكنها بقيت في عقلي ، وكنت مصرا على شرائها ، وبالمصادفة البحتة ، زرت معرض عجمان للكتاب فيما بعد ، ولقيت الرواية هناك ، فكنت سعيدا جدا بها .

 

كنت متاجج الحماس أن أقرأها ، ولكن الصدمة الكبيرة حدثت حينما عرفت أنها الجزء الأول ، ويعقبها جزء ثان لم يُنشر بعد ..

 

لا أحب أن أقرأ الروايات المجزأة إلا حين توفر جميع الأجزاء ، لذلك ركنتُ الرواية جانبا ، وقررت عدم قراءتها حتى صدور الجزء الثاني ، الطامة الكبرى حدثت حينما عرفت أن الجزء الثاني من الرواية له جزء ثالث ، ثم رابع ، وبعد ذلك خامس ..

 

أصابني شيء من الإحباط ، ولم أعرف كيف أقرر : هل أستجيب لحماستي وأقرأها ، أم أكابر وأتركها مركونة حتى صدور الأجزاء الـ .. الخمسة ..

 

خمسة أجزاء ؟ .. بدت لي المدة أنها ستكون كبيرة!

 

لم أحسم أمري إلا بعد أن فاجأني صديقي الأستاذ طارق الشحي برواية ماندان (الجزء الثاني) .

 

أُقدم شكري لـ “أبي زياد” ، ليس فقط لهديته ، ولكن لأن الهدية حسمت قراري وبدأت أقرأ أجوان .

 

استغرقت قراءتي للرواية قرابة الشهر ، ليس السبب في الرواية ، وإنما مشاغلي كثرت علي ، فلم أكن أجد الوقت المناسب للقراءة .. هكذا كنت أقرأ بأسلوب التنقيط ، حتى أنهيتها بحمد الله ..

 

في فترة قراءتي للرواية ، تعرفت على الكاتبة أكثر ، من خلال مواقع متفرقة ؛ مثل تويتر وجودريدز والانستجرام ، فرأيت فيها شغفاً للخيال العلمي ، وأغلب قراءاتها في مجال الخيال العلمي .. ولأنها خليجية من دولة الإمارات ، فقد شدني أن أجد كاتبا خليجيا يكتب في الخيال العلمي ، غير المحبب لدينا هنا ، وشاهدت لها مقاطع لحوارات ولقاءات في موقع اليوتيوب ، فوجدتها لم يسبق لها أن كتبت لفئة اليافعين باللغة العربية من قبل ، وأن أغلب تعاملها كان بالغة الإنجليزية ..

 

فإذا علمنا ذلك ، ثم قرأنا الرواية ووجدنا إتقانها الرائع للغة ، ازددنا إعجابا بالعمل العلمي الأدبي الذي بين أيدينا .

 

لندخل الآن في جو الرواية ..

 

في البداية استخدمت الكاتبة أسلوب الفلاش باك لنتعرف على الأحداث من جهة ، وعلى البطلة من جهة أخرى .. أما البطلة فقد أتقنت الكاتبة تجسيدها ، وصنعت لها عالما متكاملا هي وعائلتها وكوكبها بأكمله .. وأما أحداث الدخول في الرواية ، فإن القارئ لا تتوقف تساؤلاته إلا في منتصفها تقريبا ..

 

نظام الفلاش باك ميزته أنه يطرد الملل ، ويضفي للرواية نوعا من الإثارة ، لكنه في المقابل يضع القارئ في نوع من التوهان ..

 

فأنا كقارئ لم أستطع في البداية تحديد من هو البشري ومن هو المخلوق الفضائي في الرواية ، كذلك أين كوكب الأرض من كل الأحداث .. في الرواية بشريون ، ولكن من أين أتوا ؟ وأين كوكبهم ؟ .. حتى الرائد روهاني (البشرية) التي ذهبت مع أجوان إلى موطنها ، كان موطنها كوكب ( تيرا – ٨ ) ، وليس كوكب الأرض ! هناك حلقة مفقودة لم يتم شرحها .. أو أنني لم أفهمها !

 

رائعة هي فكرة أن تكون لكوكب أجوان أخلاقيات تتمثل في عادات وتقاليد لا ينبغي نبذها ، ثم تدخل أجوان في عالم مليء بما يناقض مبادئها ، فتحاول التأقلم فيه ، بل وتصل في تغيرها إلى أن تتعدى مسألة التأقلم ، فتتحول إلى قاتلة .. قاتلة في نظرها على الأقل ؛ بغض النظر عن دوافع القتل .

 

نحن هنا نتحدث عن نوع من الخيال العلمي يطلق عليه اسم ( الخيال العلمي السهل ) ، حيث لا نتشدد في نقدنا كثيرا على الأخطاء العلمية .. لكنني سأذكر هنا بعض الأخطاء ، وقد لا تكون أخطاء ، ولكن للكاتبة تفسير لها جهلته أنا :

 

في الرواية تنسى الكاتبة أحيانا أنها تتحدث عن مخلوقات فضائية ، فتشير إليهم في بعض المواضع أنهم يملكون مشاعر (إنسانية) ..

 

هناك كذلك جزئية لم تتطرق إليها الكاتبة ، وهي اللغة التي يتم بها التواصل فيما بين المخلوقات والبشر ..

 

فسيولوجياً لا توجد في الرواية أي اختلافات بين المخلوقات الفضائية والبشر ، حيث بدت لنا أجوان بشرية تماماً .. حتى حينما شعرت بالبرد في كوكب ( تيرا – ٨ ) ، تدثرت بالملابس الثقيلة ، رغم أنها كائن برمائي ، المفترض أن تكون من ذوات الدم البارد التي لا تشعر بالتغير في درجات الحرارة ..

 

نفس الحالة مع وقوف أجوان تحت المطر .. هي في الأصل مخلوق يعيش في الماء ، فكيف تخاف روهاني عليها من المرض ، وتسرع في تجفيفها ؟

 

مسألة الظلام .. نكتشف أن أجوان تخاف الظلام ولا يمكنها الرؤية فيه ! كيف وهي التي عاشت حياتها في أعماق البحار ، حيث الظلام الدامس المستمر؟!

 

هذه الأمور لا تنقص من الرواية قدرها ، ففي كل أعمال الخيال العلمي نجدها .. وأنا أذكرها من باب التنبيه ليس إلا .

 

أعجبني أننا نقرأ منذ بداية الرواية مصطلحات مثل : “الربعية” ، “القطاع” ، وما شاكلها من مصطلحات غير مألوفة لتحديد مواقع الكواكب ، وكأنها أمر مسلَّم به ، غير أن التفاسير لا تظهر إلا في منتصف الرواية تقريبا .. هذه حركة مشوقة وملفتة من الكاتبة .

 

كذلك استجواب أجوان في الحوض المائي لـ بانديماس كي يعترف بما حصل لابنها كان ممتعاً ومثيراً بحق ، وقتلها إياه في النهاية مفاجأة لم أتوقعها .

 

الرواية في قمة الروعة والتشويق ، ووقد بدأت بالفعل في قراءة الجزء الثاني منه ، على أمل أن أنهيه قبل حلول شهر رمضان المبارك ..

 

أتمنى أن يزخر مجتمعنا الخليجي بالكثير والكثير من الإبداعات الخيالية العلمية ، فمكتباتنا تفتقد إلى هذا النوع من الأدب الروائي كثيراً ، افتقاد أجوان لابنها ماندان .

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

  1. Mariam
    30 مارس,2015 - 5:01 ص

    مرحباً.
    من الرائع قراءة مقال عن هذه الرواية المشوقة.
    شكراً لك.

    وقعت ضحية نفس الصدمة، ولكن بعد أن أنهيتها.
    كنت أعلم أنني اقترفت خطأً بحق خيالي، فأنا -أيضاً- أشعر بالإحباط
    إذا ما عرفت أن للكتاب الذي بين يداي جزء ثانٍ لم ينشر بعد!
    ولكن مهلاً .. لم أعرف ان لـ أجوان أربع أجزاء أخرى.
    أعني أعني … هذا ليس رائعاً!!
    أنهيتُ ماندان وتوقعت أن يكون هناك جزء ثالث أخير فقط :(

    أحببت أن لغة الرواية واضحة وأنه من نوع الخيال العلمي السهل.
    فكتب الخيال العلمي العربية -خاصة الخليجية- شبة جديدة، لا أجد الكثير منها في انتاجاتنا العربية.
    لكنني أتذكر كتب الجيب المصرية التي أكاد لا أجدها في المكتبات.

    من المذهل كيف أن نورة النومان استطاعت خلق وتخيل عالم وكوكب لكل شخصية،
    أحب تفانيها في هذا العمل.
    بالنسبة لي، بداية الرواية كانت مشوشة بقدر تشوش أجوان نفسها، ربما أقل لول.

    توصلت لنفس التساؤل، أين نحن كبشر هنا؟ وتوقعت ذكر كوكب الأرض لاحقاً.
    لكن مع استمراري في القراءة خمنت أن البشر استوطنوا كواكباً أخرى وأنتشروا في المجرات واختلطوا مع أجناس أخرى وربما كوّنوا أجناساً جديدةً أيضاً، وأحداث هذه القصة تحدث في المستقبل البعيد جداً.

    فيما يخص مشاعر الكائنات الفضائية (الانسانية):
    نتيجة لقراءتي للرواية حاولت كتابة قصة عن كائنات ليست بشرية، لكن كان من الصعب جداً وصف المشاعر كونهم ليسوا بشر. لكنني وجدت في النهاية أنها مشاعر عامة لكل الأجناس.
    مثلاً قد تجد حنان القطة لأبناءها، وقد تجد صداقة بين بقرة وقط
    أو أسد ودب، وقد تجد حزن حيوان لفقد آخر، كما يحدث مع الفيلة التي تشتهر بحساسيتها.
    لكن لا نستطيع تسمية هذه المشاعر مشاعر حيوانية، ولا حتي نحصرها فقط في البشر. وسنفسر مشاعر الكائنات الفضائية بما نعرفه ونجربه كبشر.

    ذكرت الكاتبة اللغة المختلطة من كل اللغات الكونية المستخدمة في المحطات الفضائية والمواني التجارية بسبب تنوع الثقافات.
    لكن هذا لا يفسر كيف تواصلت أجوان مع مجتمع كوكب روهاني المدني مثلاً.

    وصف بانديماس كان رائعاً ويليق بعالم مجنون، وبالفعل قتل أجوان له في النهاية كان مفاجأة لي. لكنني دائماً وجدته ردة فعل حمقاء وعاطفية جداً من أجوان.

    من الرائع أن أقرأ هذه المقال. ومن هنا ستبدأ رحلتي في قراءة كتاباتك.
    :)

    كما أتمنى قراءة رواياتك، أين أجدها؟ وهل يمكنني طلبها عبر الانترنت؟
    شكراً لك

    - (0)

  2. 30 مارس,2015 - 9:05 ص

    أنت قارئة متميزة أختي مريم

    القارئ المتميز يعرف ماذا يقرأ ، ولقد جاء ردك هنا متناغما مع المقال كثيراً ، بل وبعض كلامك يتطابق إلى حد كبير مع رد الأستاذة نورة النومان نفسها على المقال

    الرواية رائعة ، ونحن حتى هذه اللحظة ننتظر جزءها الثالث ، أتمنى ألا يطول أكثر من ذلك

    أنت قارئة متميزة أختي مريم ، ويسعدني كثيرا أن تقتني كتبي ..

    في موقع أمازون ، وفي موقع النيل والفرات ، يمكنك الحصول على :
    - الدماء تعود إلى مجاريها
    - من دون مرآة
    - سلسلة الروامح : صدر منها حتى الآن عدد واحد : إنسالات متمردة

    عن طريق موقع ديليفري بوك يمكنك الحصول على المجموعة القصصية : قد نموت ألف مرة

    أما المجموعة القصصية ( حب أسود ) ، فإن لم تكوني من الإمارات ، فيمكنك التواصل مع الناشر (دار الياسمين) ، وهي تتكفل بإيصالها لك

    من هذه الأعمال اختاري ما يعجبك ، ويسعدني أن أقرأ رأيك فيما قرأت

    شكرا لك

    - (0)