هل أنت مثقف؟

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

 

هل أنت مثقف؟

[هل أنت مثقف؟]

 قديماً قال سقراط : ‹‹اعرف نفسك››!

 

جميل أن تقف أمام بعض المصطلحات التي تتداول حولك، وتتأملها، ثم تربط نفسك بها، وتحاول استكشاف العلاقة بينك وبين الوجود من حولك..

 

مصطلح الثقافة، بكل ما تحمله من معان متداولة.. ربما سمعت من يُحدِّثك ويصفك أنك مثقف، ولكن هل سألت نفسك يوماً: هل أنت مثقف فعلاً أم لا؟

 

هل صديقك مثقف؟ هل زميلك في العمل أو الدراسة مثقف؟ هل الكاتب الفلاني، أو المهندس العلاني مثقف؟ هل أستاذك في الجامعة، الذي يقف بالساعات يشرح لك أعقد الأمور، هل هو مثقف فعلا كما تراه وتعتبره؟

 

ما معنى الثقافة بالتحديد؟

 

في القرآن نجد هذه الآيات:

 

﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾

 

﴿فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾

 

﴿ضُربت عليهم الذِّلَّةُ أينما ثُقفوا﴾

 

﴿ملعونين أينما ثُقفوا أُخذوا وقُتِّلوا تقتيلا﴾

 

حيث ثقفتموهم؛ أي: حيث وجدتموهم.. وأينما ثُقفوا؛ أي: حيثما وُجدوا .. فهل جاءت كلمة الثقافة من هذا الاشتقاق، بحيث يكون المعنى الحقيقي للثقافة هي ‹الإيجاد› مثلاً؟ فإذا كان الأمر في الثقافة يعتمد على الإيجاد، معنى هذا أنه ما دمت قد (وجدت المعرفة) فأنت مثقف؛ أي الذي يعرف هو المثقف، فهل هذا صحيح؟ هذا يقودنا إلى سؤال آخر: أي نوع من المعرفة هي التي توصلنا إلى مرحلة الثقافة؟ هل هي المعرفة في كل الفنون؟ أم يكفي فنٌّ واحد نلمُّ به، عندها نصير مثقفين؟

 

في المعجم نجد كلمة ‹ثَقِفَ›، أي صار حاذقاً وفطناً.. هنا لا يتعلق الأمر بالمعرفة، بل بالذكاء والفطنة.

 

فإذا جمعنا بين المعنيين، سنقول أن الثقافة هي أن تعرف الشيء، وتتقن التعامل معه.. هل معنى ذلك أنه لا يكفيك أن تُلمَّ بالثقافة الرياضية مثلاً، بل عليك أن تتقن اللعب كذلك؟

 

هناك محللون رياضيون لا يعرفون كيف يركلون الكرة، ومع ذلك نجدهم يتصدرون شاشات التلفاز والصفحات الأولى من الجرائد والصحف، يتفننون في الحديث عن المباراة الفلانية واللاعب الفلاني.. أفليس هؤلاء مثقفون رياضيون؟ هل يلزمهم أن يتقنوا لعب الكرة كي يصلوا إلى مرحلة الثقافة الرياضية؟

 

ثم ما معنى ثقافة رياضية؟ هل معنى ذلك أن الثقافة تخصصية، بحيث يكون لكل مثقف مجاله وتخصصه؟ هناك المثقف الرياضي، وهناك المثقف السياسي، وهناك المثقف الأدبي، وهناك المثقف الفلكي، … وهكذا؟

 

إذن لو صادفك رجل في الشارع لا يعرف من هو (باراك أوباما)، ولكنه يعرف (آلبرت آينشتاين)، هذا رجل مثقف.. ثقافته متخصصة في المجال العلمي، لكن لا شأن له بالثقافة السياسية.

 

هذا لا يتلاءم والمنطق!

 

هناك مقولة تتردد كثيراً، تقول: ‹‹اقطف من كل بستان زهرة››.. ففي السياسة أطَّلع على بعض المعرفة، وفي الرياضة على بعضها، وفي الأدب على بعضها، وفي العلوم على بعضها..

 

كلام جميل، ولكن ماذا لو أنني (وهذه حقيقة) لا أحب الرياضة؟ هل سأخرج من ركب المثقفين إن لم أكن أعرف من هو (رونالدو)، إن كان ملاكماً في البرازيل، أو هو لاعب تنس في غينيا؟

 

فإذا قيل أن الثقافة هي أن نأخذ من (أغلب) البساتين زهرة، بحيث لستُ مضطرًّا أن أعرف في كل الفنون، بل أن آخذ من أغلبها.. سأكون جاهلاً تماماً في الرياضة والسياسة اللتين لا أحبهما، ولكنني متبحِّر فيما سواهما..

 

هذا مبهج، أنا الآن بهذه الحال مثقف.. أليس كذلك؟

 

هناك دكتور جامعي، يعرف في كل الفنون، إذا سألته في السياسة أجابك، وفي الأدب تفنن بكلامه، وفي الفلك أبحر بك، وفي الرياضة خاض بك مجاهله.. لكن لو سألته عن أمهات المؤمنين فهو يجهل أسماءهن، وإذا سألته عن أركان الصلاة سكت، وإذا أكل أو شرب في نهار رمضان ناسياً، قال أذهب وأستفتي شيخاً!

 

هذا الرجل الملم بكل شيء من علوم الدنيا إلاَّ أساسيات دينه، هل هو مثقف؟

 

يعجبني المؤلف والصحافي الفرنسي (ألبير كامو) إذ يعرِّف المثقف أنه: ‹‹من يستطيع عقلُه مراقبةَ نفسِه››

 

هنا نختصر الثقافة بهذه العبارة البليغة.. فالمثقف هو الذي يدخل بعقله مكامنَ نفسه، يرى احتياجاتها وما يهمها، ثم يلمّ بكل ما يتعلق بها من علوم ومعارف..

 

يمكنني ببساطة الاعتراف ببوذيٍّ يعبد تمثالاً أنه مثقف، حتى وإن لم يعترف بالإسلام ديناً، ولكن أنَّىٰ لي أن أعترف بمسلم أنه مثقف، مهما حوى عقله من علوم، ما لم يكن يعرف أساسيات دينه؛ من صلاة وصوم وعبادات؟!

 

لكي تكون مثقفاً أحِطْ علماً بما تحتاجه نفسك.. اعرف من أنت، ثم هيء لها أساسيات حياتها ومستلزماتها.. نفسك هي بيتك، أثثها بأساسياتها أولاً، ثم تفرَّغ للكماليات.

 

أعرف رجلاً لم يتجاوز بتعليمه المرحلة الإعدادية، وهو مع ذلك كوَّن أسرة، وربى أبناءه، وحافظ على دينه، ثم إذا جلست معه تجده عبقريًّا حاذقاً في معظم الفنون، رغم أنه لا يداوم على قراءة الكتب، لكنه رأى نفسه، وعرف ما تحتاجه، ثم وفَّر لها احتياجاتها.. يعرف من اللغة الإنجليزية ما ييسر له تعامله مع الآخرين، ويعرف في الميكانيكا ما يسهل عليه مشاكل سيارته، ويعرف في تصليح الأجهزة ما يريحه من الاعتماد على العمالة الوافدة.. وإذا واجه مشاكل وعراقيل في حياته تجده فطناً حاذقاً في تجاوزها بأقل الخسائر..

 

بارًّا بوالديه كان، فلما مات والده رحمه الله، سمعته يعزِّي نفسه بنفسه.. حينما عجز رجل من الجالسين أن يجد كلمات يعزيه بها؛ فإذا به يتحدث عن الموت بأجمل المعاني وألطفها..

 

هذا هو المثقف الذي أعترف به، رغم أنه لا يقرأ الكتب، بل ثقافته أخذها من محيطه الذي عرف كيف يسخِّره ليجني منه ثماراً تقيه صروف الزمن.

 

(دانيال هاندلز)، مؤلف وسيناريست أمريكي، يرى أنَّ المثقفين أقلُّ عرضة لأن يكونوا مجرمين.. معنى ذلك أن الثقافة (العلوم والمعرفة المناسبة لك) تؤثر كثيراً في سلوكك وأخلاقك.. هذا يذكرني بالآية الكريمة: ﴿ إنَّما يخشىٰ اللهَ من عباده العلماءُ ﴾

 

فالثقافة بهذا المعنى اقترابٌ من مستوى العَالِم، واقترابُ الإنسانِ من هذا المستوى يجعله أقرب إلى الخشية من الله، وهذا يجعله أقل عرضة للإجرام..

 

كلام منطقي، خاصة حينما نقارنه بـ (ألفرد نوبل)، المخترع الكيميائي السويدي، الذي ابتكر الديناميت، فلما اُستخدم اختراعه في الحروب ساءه الأمر، فخصص جائزة (نوبل) الشهيرة للسلام، تكفيراً عمَّا اقترفت يداه.. لم يكن ليرتقي بهذه الأخلاق لولا علمه ومعرفته.

 

نعود الآن إلى سؤال مقالنا: هل أنت مثقف؟

 

راقب علومك ومعارفك، هل أثَّرت في سلوكك وأخلاقك أم لا؟ هل علومك ومعارفك تحيط بنفسك وتعينها على صروف الزمن أم لا؟

 

راقب علومك ومعارفك وعلاقتها بنفسك، ثم أجب عن السؤال بحيادية مطلقة.

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات