كاتب مغرور

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

 

كاتب مغرور

[كاتب مغرور]

 يصعب التواصل مع الكُتَّاب!

 

قديماً كنت كلما قرأت كتاباً أعجبني، أتحمس كثيراً للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل، فأرسل إليه تعليقي على كتابه أو روايته أو مقالته.. أمَّا أن أتلقى من الكاتب ردًّا على رسالتي، فهو كانتطاري سحابة الصيف أن تغدقني مطرا.

 

نادرون هم الكُتَّاب الذين يردون على الرسائل، والأكثر ندرة أن يكون ردهم من النوع الذي يُرضي.. سِمَةُ الكُتَّاب في التواصل دائماً هو الرد باقتضاب.

 

لطالما تساءلت بيني وبين نفسي عن سبب هذا التجاهل من هؤلاء الذين يمثِّلون عنصر الثقافة في المجتمعات، ولم أكن أجد تفسيراً سوى أنهم متكبرون.. هؤلاء قد بلغوا مرتبة من العلو رأوا فيها أنفسهم ملائكة، لا يتنزلون على البشر إلاَّ المُخلَصين منهم؛ الذين يملكون جاهاً أو مالاً.

 

التفسير الثاني أنهم مزدحمون، لا يملكون وقتهم من كثرة المعجبين الذين يضايقونهم، أو من شدة انشغالاتهم في الحفلات والعزائم والمعارض المختلفة والندوات.. إلاَّ أن عقلي أبى التفسير الثاني، وتمسك بقوة بتفسيره الأول، خاصة مع إدراكي أنه مهما كان ازدحام الكاتب، فردٌ بسيطٌ محترمٌ مُعتبرٌ إلى قارئه لن يضره شيئاً، أما لو كان القارئ مزعجاً أو لحوحاً، حُقَّ للكاتب إذ ذاك أن يتجاهله..

 

الرسالة الأولى للقارئ، والثانية للكاتب.

 

دارت الأيام، وصرتُ كاتباً من حيث لا أدري ولا أحتسب، فإذا بي أضع نصب عينيَّ القارئ، أتواصل معه بكل بساطة، أناقشه وأرد على تساؤلاته وأضاحكه كذلك.. وقد يزداد قربي إليه (وهذا نادر) حتى نتحادث بالهاتف، أو ربما نلتقي كذلك.

 

الذي جرى أن بعض القراء لا يستوعبون هذا التبسُّط، فهم يضعون الكاتب في مرتبة، يرفضون منه استبدالها.

 

حصل معي أن ضحكت مع أحدهم ذات يوم، ومازحته في بساطة، لكنه تجهم وانزعج، فلما سألته عن سبب تجهمه، أجابني أن المزحة لا ضير فيها، لكن الخلل في المازح.. لو لم أكن كاتباً كان الأمر طبيعيًّا، لكن لأنني كاتب، فالمزحة لا تليق بي ككاتب.. أمَّا كيف تليق أو لا تليق، هذا لم أفهمه ولم أستوعبه، ولم أجد له ترجمة توضح معناه.

 

وحصل معي كذلك أنَّ مُتابعاً في موقع من مواقع التواصل الاجتماعي تواصلت معه على الخاص، فإذا به يطلب رقم هاتفي.. وبعد الهاتف بدأ يلح في تواصله، وكأن تواصلي الأول معه إيذان بفتح باب التواصل إلى أقصاه، وأنه علي ألاَّ أتأخر في الرد على رسائله، فإن تأخرت ساعة أو ساعتين فأنا متكبر مغرور.

 

وهناك من تواصلت معه، فإذا به يلح عليَّ، ويصرُّ بطريقة مستفزة أن أكتب في الموضوع الفلاني.. هذا لو كان صديقاً حميماً فإنه لا يملك الحق في السيطرة على قلمي، فكيف بمن تعرفت عليه معرفة سطحية منذ أيام؟!

 

هذا بخلاف الكثير من الكُتَّاب المبتدئين الذين يرسلون لي نصوصاً يطلبون مني تقييمها لهم.. ولا أذكر أنني رددت نصًّا.

 

هناك البعض يراسلني ويطلب مني إرسال نسخ من رواياتي إليه.. أرسلت للكثيرين، لكن يستحيل أن أرسل لكل من يطلب مني نسخة من كتبي.. الكتابة ليس لها عائد مادي يصيِّرني ثريًّا أنثر كنوزي المالية التي لا تُحصى على مكاتب البريد.

 

ليس من كاتب إلاَّ ويستمتع بتواصله مع قارئه.. التواصل مع القراء أمر ممتع، يجعل الكاتب متفهماً لرغباتهم؛ ماذا يريدون وما هي سلبيات قلمه وإيجابياته.. لكن القراء أنفسهم يخلقون في بعض الأحيان حاجزاً بينهم وبين الكاتب، يجعل الكاتب يهرب أحياناً من الاقتراب، ويتواصل بحذر شديد.

 

بالنسبة لي، أفضلُ نقدٍ أتلقاه لكتاباتي هو ذلك الذي يأتيني من قارئ لا أعرفه ولا يعرفني، واقتناؤه لكتبي إنما جاء مصادفة، أو بسبب إعلان قرأه، أو وصية من صديق له.. هذا القارئ يقرأ ثم يكتب رأيه بكل مصداقية، فيأتي كلامه محايداً لا اعوجاج فيه، وأثق في رأيه سواءً أغدق كلامه بالحديث عن سلبيات الكتاب أو إيجابياته، بعكس القراء سابقي المعرفة، الذين كثيرٌ منهم يجاملون، وقلَّ من ينتقد بحيادية ووسطية ومصداقية.

 

لستُ ضد المديح، ولا ضد الكلام عن إيجابيات الكتاب، وأعلم أن ثمة قراء إنما يحبون أن يستمتعوا بالكتاب دون الالتفات إلى سلبياته؛ كي لا يعكروا صفو قراءتهم.. وأعلم كذلك أن القارئ ليس مطالباً أن يكون ناقداً.. وفوق هذا وهذا، ذِكْرُ الإيجابيات يعزز من إمكانيات الكاتب في نقاط القوة التي لديه.. غير أن الموازنة مطلوبة، والملح يُعطي الطعامَ لذةً، وكثرة السكر فيها ضرر لا يخفى على أحد.

 

لا أدَّعي أبداً أنني أتلقى الكثير من رسائل الإعجاب، وأن قرائي كُثُر، وأن إزعاجات البعض منهم تُرهقني، وربما تُرهبني.. لم أصل إلى هذه المرحلة بعد، لكنني هنا أفسر السبب الذي يجعل الكاتب أحياناً يقتضب في تواصله مع قرائه، من منظور شخصي لفئة تواصلتُ معهم.

 

طبعاً لستُ أعمم، فعندي من الأصدقاء من أتواصل معهم بين الفينة والأخرى، قمة في الذوق والاحترام، ويراعون الظروف، وبيني وبينهم ائتلاف جميل، لا يشملهم ما كُتب في المقال.. ولستُ أعمم على الكُتَّاب أنهم يتجاهلون قراءهم، فقد تواصلت مع كُتَّاب راقيين، صار بيني وبينهم تواصل ممتع، والتقيت ببعضهم لقاءً جعل معنى التواصل أقوى.. إنما حديثي عن البعض، ممن يُرغم الكاتب على أن يرفض بعض التواصل خوفاً من الإزعاجات المُحتملة، ومقالي هذا إنما هو رسالة إلى القراء ألاَّ يظنوا بالكاتب الظنون إن هو لم يوطِّد علاقته معهم، فالعلاقات مراتب ومنازل، والإلحاح يقطع حبل التواصل، هذا لا شك فيه.

 

الآن أصبحتُ أعذر الكاتب على تواصله المقتضب مع القراء.. إنه لا يريد الاقتراب من قرائه أكثرَ من اقترابه معهم في حدود كتابه؛ لأن هناك من القراء من هو لحوح في التواصل، قد يزعج الكاتب، خاصة لو كان الكاتب ذا مزاج يميل إلى الهدوء والعزلة.. والسبب الثاني أن الكاتب يبحث عن رأي محايد لقلمه، وغالباً الحيادية يلقاها من القارئ البعيد، الذي تأتي به رائحة الكتاب، لا رائحة الكاتب.

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات