لذائذ

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

هل الطعام لذيذ؟.. سؤال لا يمكننا الإجابة عليه بهذه البساطة!

 

هل الطعام لذيذ؟

[هل الطعام لذيذ؟]

منذ سنوات، وفي ثاني أيام عيد الفطر المبارك من تلك السنة، تلقيت رسالة عبر جوالي المحمول من أحد الأصدقاء يدعوني فيه إلى ما أسماه ‹‹قهوة العيد››، على أن يكون بعد صلاة العشاء..

 

قهوة؟!.. وبعد صلاة العشاء؟!!!

 

ما علينا.. في تلك العزيمة الطيبة التقيت بأحد زملاء العمل المتزوجين حديثاً، فكان أول ما قاله لي، بعد تهنئة العيد: ‹‹لماذا لم تخبرني من قبل أن الزواج لذيذ؟››

 

ذكرني عتابه هذا بأحد المعارف حينما تزوج، صار أغلب كلامه عن الزواج، كم هو لذيذ، وكم هو ممتع، وكم هو رائع!

 

صديق آخر ملتزم، أول ما تزوج ألقى علينا محاضرة جميلة رائعة، تدل على رجاحة عقله وسداد تفكيره، أذكر لكم هنا من معناها جزئية صغيرة:

 

ــ ‹‹هدى الله بعض الناس الذين سبقونا بالزواج.. روَّجوا لنا أن الزواج عذاب، ونشروا في عقولنا وتفكيرنا أنه سبيل إلى نكد العيش، وأن الإنسان إذا تزوج تغيرت حياته إلى الأسوأ.. والمشكلة أن الإعلام ينشر هذه الفكرة بدوره، ويعممها علينا.. في حين أن الحقيقة غير ذلك.. الحقيقة أن الزواج لذيذ.. وإني لأدعو كل من تزوج وتذوق طعم الزواج ولذته، أن يشد همته وينشر الفكرة الطيبة عن الزواج بين شباب الأمة››

 

الشاهد من هذا الكلام هو مصطلح ‹‹الزواج اللذيذ››.. فهل الزواج فعلا لذيذ؟

 

دعوني أولاً أعود بكم إلى السؤال الذي طرحته عليكم في أول المقال: هل الطعام لذيذ؟

 

الجواب هو أن الطعام لكي يكون لذيذاً عليك أولا أن تُحسن اختياره، فلا تختر النوعية التي تكرهها.. اختر ما يطيب له قلبك، ثم اختر الجيد منه، وتجنب الطعام الفاسد أو غير الطازج.. بعدها عليك أن تُهيئ مكان الطبخ جيداً لتستقبل به الطعام؛ كالنظافة مثلاً، وأن تُوفِّر المعدات اللازمة، فإذا تهيأ كل ذلك، لا ينقصك سوى أن تكون ملماً بالطبخ..

 

فإذا وفرت كل شيء ، وأنهيت طبخك للطعام على النحو الصحيح؛ فإنك مع كل ذلك لن تسلم من الانتقادات، وستجد حتما من بين الناس من يقول لك أن في طعامك كذا وكذا، وبالمقابل هناك من سيمتدح طبخك..

 

لأنه ــ ببساطة ــ أذواق الناس تختلف!

 

هل الزواج لذيذ؟

[هل الزواج لذيذ؟]

 الزواج لا يختلف كثيراً عن الطعام، فكلاهما يحتاج إلى طبخة سليمة، ثم إذا أتممت الطبخة على النحو المطلوب، فإن لذتها تظل نسبية، وتختلف أذواق الناس فيها.. وعليه أنَّ من أراد أن يتزوج أن يتَّبع الخطوات التي اتبعناها مع الطعام، فيختار شريك الحياة التي يرضاها، والتي تقع في هواه، ولذلك أحلَّ الله تعالى النظرة الشرعية في فترة الخطوبة.. وليتحرَّ في الطرف الآخر الصلاح، فلا يقبل الرجلُ امرأةً فاسدةً، ولا تقبل المرأةُ رجلاً فاسداً، وليكن اختيارهما على مشورة ممن هو أعرف بالآخر منه.

 

وعلى من أراد الزواج أن يهيئ ما يلائم الطرفين على سواء، فيكونان على اتفاق مسبق بما تريد وما يريد، فاتفاق القلوب من اتفاق العقول..

 

فإذا توفر كل شيء، وتم إعداد جميع مستلزمات الزواج، هنا وجب أن يكون الطرفان مُلِمَّين بأمور حياتهما الزوجية.. الإلمام بهذه الأمور لا يحتاج إلى دورة تدريبية نقيمها للمقبلين على الزواج (قرأت هذا المقترح في إحدى المجلات) ولا يحتاج إلى دراسة وفلسفات عميقة، ولا إلى مجهود خرافي حتى تستقيم الحياة بين الزوجين.. كل ما نحتاجه لكي نلمَّ بأمور الزواج هو أن نطبِّق هذه الآية الكريمة: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً }.. وأن نطبق قول النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يفركنَّ مؤمنٌ مؤمنةً، إنْ كره منها خُلُقاً، رضي منها غَيْرَه].. وقوله صلى الله عليه وسلم: [استوصوا بالنساءِ خيراً].. وأما ما يتداوله العامة في مقولة: (شاوروهنَّ وخالفوهنَّ)، فإنه حديث ضعيف لا أصل له، فلا تلتفتوا إليه.

 

الشاهد من الموضوع، أنه بعد أن نهيئ كل أمور الزواج (المعاشرة بالمعروف، والرضا، ومعاملة النساء بالخير) ستستمر الحياة بيننا طيبة هنيئة..

 

نعود لسؤالنا القديم: هل الزواج لذيذ؟

 

الجواب: أنت من يصنع هذا الطعم.. أنت من بيده أن يجعله لذيذاً أو مُرًّا.. أو حتى حامضاً.

 

(في مقالة الأسبوع القادم، سنتعمق قليلاً في مسألة السعادة الزوجية)

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات