الكلمة: تأثيرها وأثرها

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

 

في البدء كانت الكلمة

[في البدء كانت الكلمة]

 أول ما خلق الله تعالى ـ بعد العرش والماء ـ القلم، وكان أول أمر يتلقاه القلم أن يكتب كل ما هو كائن وما سيكون.. وعليه فإن كل ما في هذا الوجود من أحياء وجمادات وأفعال تسير وفق كلمات مكتوبة هناك في اللوح المحفوظ.

 

وحينما أراد الله تعالى أن يبرهن أن آدم عليه السلام أهل لخلافة الأرض، علَّمه الأسماء كلها، فتيقنت الملائكة حينها أن آدم يستحق هذه المنزلة التي أنزله الله تعالى إليها.. وهل هذه الأسماء إلاَّ كلمات تصف أشياء؟!

 

فلما نزل القرآن الكريم كانت أول آية هي {اقرأ}، وكذلك أول آية في الإنجيل: (في البدء كانت الكلمة).

 

الله سبحانه وتعالى بجلاله وحكمته، إذا أراد للشيء أن يكون، قال له {كُن}، فبهذه الكلمة نشأ الوجود وخُلقت الموجودات.

 

ورسالة الإسلام هي الدين الذي ختم الله تعالى به جميع الرسالات السابقة، وهو الدين الذي معجزته الكبرى هي كلامه تعالى (القرآن)، الذي تكفل تعالى بحفظه إلى يوم الدين، وهو قائم ليس فقط كمعجزة دالة على الحق ضد الباطل، إنما هو إلى جانب ذلك دستور نعتمد عليه، ونسير به، نهتدي بآياته في حياتنا.

 

وكلمات القرآن فوق ذلك وذلك شفاء للنفس؛ إذ به تطمئن القلوب.. وشفاء للبدن؛ فبالرقية الشرعية التي هي كلام الله تعالى، إلى جانب كلام النبي صلى الله عليه وسلم، نتعالج من أمراض البدن، مع أمراض الروح والنفس.

 

اقرأ

[اقرأ]

 كل هذا التركيز على الكلام كيف أنه يؤثر علينا وعلى حياتنا لم يأت عبثاً، بل هو دليل وبرهان ويقين نستشعر به أن الكلمة لها مفعول السحر، وعليه وجب استخدام هذه الكلمة بحرص وحذر.

 

إن مرتبة الذاكرين (المتلفظين بكلمات) مرتبة عظيمة جدًّا، يجدها صاحبها في الدنيا قبل الآخرة، في قلبه وفي بدنه.. وبكلمات نحفظ أنفسنا من الأذى، حينما ندخل منازلنا ونخرج منها فنذكر الله، وإذا دخلنا الخلاء ذكرنا الله، وإذا أكلنا أو شربنا أو ركبنا الدواب والسيارات نذكر الله.. بل وحتى في قضاء الرجل وطره من زوجه يذكر الله..

 

بكلمات بسيطة نكررها في حياتنا، نُحاط بهالة من الحماية تتنزل علينا من السماء.

 

تكفي كلمة التوحيد (لا إله إلاَّ الله)، وانظر كيف يدخل بها الرجل من دين الشرك ودين المغضوب عليهم أو الضالين، إلى دين الإسلام.. فقط يقولها وتكون له حقوق المسلم وحمايته.. كلمة التوحيد هذه وصفها الله تعالى بشجرة طيبة، أصلها ثابت في قلوبنا، وفرعها ـ بما فيها من ثمار ـ عنده في السماء.. فإذا اختلَّ الأصل والجذر في الشجرة، اختلَّت الفروع، وبالتالي اختلَّت الثمار.

 

هكذا نجد الكلمة لها شأن عظيم، ولها مقام كريم، حذَّرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم: (وهل يكب الناسَ على وجوههم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم؟!).. حصائد الألسن تكمن في الكذب، والنميمة، والبهتان، وغيرها.. بل انظر إلى كلمة تتألف من حرفين فقط، هي {أف}، كيف أنها من القوة بحيث يقولها الابن لأبويه، يدخل بها النار، ويوسم بأنه عاق لهما؟!

 

(إنَّ من البيان لسحراً).. كلمة صريحة من النبي صلى الله عليه وسلم يوضح أن الكلمة لها سحرها على النفوس، سحرها ذو الحدين؛ الإيجابي والسلبي.. فالشِّعر مثلاً السلبي من حيث أن الغاوين يتَّبعونهم، والإيجابي من ناحية أنَّ النبي عليه السلام كان لديه شاعر؛ هو حسان بن ثابت رضي الله عنه.

 

الشعر أرقى أنواع الأدب؛ ولذلك تحدث عنه الله تعالى فقال: {والشعراء يتبعهم الغاوون}، وإلاَّ فالآية تتحدث عن كل أنواع الأدباء، فهم يملكون من سحر البيان ما يؤهلهم إلى أن يتبعهم الغاوون.

 

وقد أكد الله تعالى على اللفظ في قوله: {ما يلفظُ من قولٍ إلاَّ لديه رقيبٌ عتيدٌ}.. رغم أن الملكين رقيب وعتيد يحصيان على المرء أعماله كلها، وليست فقط الألفاظ، ومع ذلك ركزت الآية على اللفظ، وحوت معه العمل.. فاللفظ أقوى، وتأثير الكلمة أشد، وأثر البيان أعمق.. يكفي أن حسنات وذنوباً كالجبال تنتقل من ميزان إنسان إلى آخر، بسبب غيبة يتكلم بها أحدهما؛ وهل الغيبة إلاَّ كلمات نتلفظ بها؟!

 

الكلمات تهيج شعوباً، وتثير بلبلة، وتُقعد دولاً، وتقيم حكومات.. وكثيرة هي المؤسسات التي ترتعد خوفاً وتنتفض فَرَقاً أمام الكلمة.. من قرأ مقالتي (احرقوا الكتب تنتشر رائحتها) سيرى العجب العجاب من أفعال بعض المؤسسات والحكومات وهي تحرق الكتب وتمنعها من أن يتم تداولها بين الناس؛ لأنها تحمل من السحر الكثير مما يفيق العقول إلى مظالم دُفنت تحت رمال الظالمين، وضاعت حقوقٌ أهلُها عنها غافلون.

 

وفي سياق مقالنا هذا، أذكر لكم قصة بائع العسل الذي كسدت تجارته، وإلى جانبه بائع خل راجت تجارته وربح الكثير.. سأل بائعُ العسل مندهشاً: “كيف تروج بضاعتك وأنت تبيع الخل، بينما تكسد تجارتي وأنا أبيع العسل؟” فأجابه بائع الخل: “أنا أبيع الخل بلسان من عسل، وأنت تبيع العسل بلسان من خل”

 

الكلمة السيئة لها مفعولها العميق، والكلمة الطيبة لها مفعولها الساحر، فاختر كلماتك، واضبط لسانك، فأنت لا تدري أي قوة تلك التي تقبع خلف أسوار أسنانك.

 

إنه اللسان.. وبالحديث عن اللسان، القلم لسان كذلك، فإذا كتبت فاكتب طيباً، وإذا قرأت فاقرأ طيباً، فالكلام الطيب إحسان لمستمعيه وقارئيه، وبه نتمكن من السيطرة على أعتى الأعداء وأشرس الظلماء..

 

ألا ترى الشاعر يقول:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

 

وهل من إحسان يعدل الإحسان بالكلمة الطيبة؟!

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات