جدي والخاتم

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

 

عبد الرحمن قرط في شبابه

[والدي عبد الرحمن قرط في شبابه]

 يعجبني جدِّي رحمه الله !

 

كانت ليلة ليلاء، البرد من جهة، والظلام من جهة أخرى.. خلع جدي خاتمه وقال لبنيه: ‹‹من منكم يذهب إلى بيت فلانة ويعطيها هذا الخاتم؟››

 

لم يكن لجدي حاجة في إرسال الخاتم، كان فقط يختبر أبناءه وشجاعتهم.. نظر أبي (وهو ابن ستة عشر عاماً) حوله، فوجد أخويه صامتين.. نهض وقال: ‹‹أنا أذهب به››

 

نحن نتحدث عن زمن كان للأب هيبته، والكل يسعى إلى إرضائه بكل الطرق، والكل يمني نفسه أن يكون كبيراً في عين أبيه.. اعترضت جدتي رحمها الله، لكن جدي تجاهل اعتراضها تماماً.. أعطى الخاتم لوالدي، وقال له: ‹‹اذهب››

 

خرج أبي من العريش، والخاتم في يده، يتلفَّت يمينة ويسرة، وقلبه يخفق بشدة..

 

في ذلك الوقت لم تكن هناك كهرباء في المنطقة، والليل لا يحمل معه الأمان مطلقاً.. الظلام من جهة، والجن وأشباح الليل من جهة أخرى.. وكان على أبي أن يعبر إما البحر حيث جني البحر (خادم دبدبة الشهير وقتها) وإما يعبر النخيل حيث قبائل الجن التي تتربص بك من كل صوب وجهة.. البحر أقرب بلا شك، لكنه في ذلك اليوم كان في حالة مدٍّ، فلم يستطع أبي عبوره، لذا لم يكن هناك بُدُّ من اجتياز مزارع النخيل..

 

يمشي أبي بين النخيل في ظلام الليل، يتلفت حوله في رهبة، وقلبه يرتجف كطير مبلول في عزِّ الشتاء.. تتراءى له الخيالات، ويسمع الأصوات، وهناك حجارة تُرمى له من حين لآخر من الجهات الأربع.. لكنه ـ رغم خوفه وهلعه ـ مستمر في المسير قُدماً..

 

سيكون الابنَ الأشجعَ من بين إخوانه عند والده، فلماذا يفوِّت على نفسه هذه الفرصة الثمينة؟

 

حينما وصل أبي إلى البيت المنشود، فوجئت (فلانة) به، سألته عن سبب مجيئة في هذا الوقت من الليل، فأخبرها أن أباه قد أرسله ليعطيها الخاتم، وليختبر شجاعته..

 

‹‹أبوك مجنون، وأنت في عقلك خبل.. لا أحد يتجول بين النخيل في هذه الساعة المتأخرة من الليل››

 

غضبت المرأة، وأوصت ابنين لها أن يسيران مع أبي كي يوصلانه إلى منزله، لكن أبي رفض..

 

‹‹يجب أن أعود وحدي حتى يكتمل الاختبار››

 

أعطاها الخاتم، وغادر منزلها وهي تُحوقل خلفه..

 

رجع والدي إلى منزلهم بمثل حالة الهلع التي ذهب بها، لكنه كان مصمماً على الرجوع بمفرده، كي يحظى بالرفعة المنشودة من والده.

 

أذكر أن ابني (عشر سنوات) قال لي ذات مرة أنه صعد جزءاً الجبل، فصرت أؤنبه وأزجره.. ثم تذكرت أنني كنت أصعد الجبال في صغري، وأعبر الوديان.. أحياناً نكون جماعات، وأحياناً أكون وحدي.. فما بالي اليوم أستنكر على ابني فعلته، وهو الذي لم يصعد من الجبل سوى أمتار بسيطة؟

 

همست في أذنه أخيراً: ‹‹إذا شئت أن تذهب إلى أي مكان فاذهب، ولكن حذار أن تخبرني؛ لأني لو علمت ضربتك››

 

تناقضٌ مني، لكنه تناقض أُعطي فيه لابني حرية المغامرة والتسلية التي كنا نعيشها في صغرنا، والتي يفتقدها جيل هذا الزمن، بالإضافة إلى أنني أغيِّب نفسي عن حاله فلا أشعر بالقلق والتوتر إذا علمت بفعلته.

 

عندما كنا صغاراً، كانت الأمطار تهطل بغزارة، وكنَّا نستحم ليس بالأمطار فقط، وإنما بالوديان والبرك التي تخلِّفها الأمطار.. ورغم البرد الشديد كنا نلعب ونلهو شبه عرايا.. واليوم إذا هطلت قطرات من الأمطار (نفاف) نعاتب أطفالنا أن هلموا ادخلوا مساكنكم لا تحطمنكم الأمطار وجنودها.. يظل الطفل بحاجة إلى أن يلعب أمتع اللعب، التي كنا صغاراً نمرح بها.. كانت طفولتنا ـ نحن جيل السبعينات ـ غاية في المتعة لأننا كنا نستغلها أجمل استغلال، نلعب ونلهو بكل عفوية؛ لذلك يطلقون على زمننا: ‹زمن الطيبين›.

 

وبالمقابل، كبرنا الآن وصرنا آباءً، وفي أضلع الآباء تكمن رحمة لا تخفى على أبنائهم.. هكذا نجد الرحمة في أضلعنا تقف عائقاً  في وجه سعادة أبنائنا تمنعهم من المرح واللهو واللعب، بحجة السلامة والصحة.

 

جدي بعث والدي في الليل من شرق المنطقة إلى غربها، رغم المخاوف الحاصلة والمعروفة في ذاك الزمان.. لكن الحقيقة أن والدي حينما رجع إلى البيت، كان استقبال جدي له أن قال له: ‹‹أنت غبي.. هل من عاقل يعبر هذه النخيل في الليل؟!››

 

رغم أن جدي هو من بعثه، لكنه لم يكن يتوقع منه أن يذهب فعلاً.. مهما كان يظل جدي أباً، يخشى على ابنه من أي أذى قد يصيبه.

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات