السعادة الأسرية : بين ما نريده ، وما نفعله

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

 

تميز عن الآخرين بسعادتك

[تميَّز عن الآخرين بسعادتك]

 هناك الحمقى، هناك المخابيل، هناك المجانين، هناك أَحَاوِلُ البصيرةِ لا البصر.. هؤلاء فقط من يبحثون عن التعاسة، وإلاَّ فكلنا يبحث عن السعادة ومسبباتها!

 

من قرأ كتاب [دمعة وابتسامة] للشاعر (جبران خليل جبران)، فلا بد أن تسترعي انتباهه مقالة بعنوان: [أغاني]، ولا بد أن تستوقفه من بين تلك الأغاني [أغنية السعادة].. من أراد أن يعرف معنى السعادة الحقيقية فليقرأ مقالة جبران هذه، فإن فيها وصفاً عجيباً للسعادة، لا يكتبها إلاَّ عبقري في اللغة والمعاني.

 

اليوم يا سيداتي ويا سادتي (في مواضيع كهذه؛ النساء أولاً) حديثنا عن السعادة الأُسرية، فَمَنْ سَعِدَ مع أسرته؛ سَعِدَ في بقية حياته.. وأول حروف السعادة هو الحب.

 

وعندي أن الحب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

 

أشهر أنواع الحب هو الحب العادي، الذي ينشأ غالباً بين الابن وابنة الجيران.. لم أعرف حيًّا لم يوجد فيه هذا النوع من الحب.. لا بد من ولدٍ أمُّه دعت عليه في حين غفلة أن ‹‹جتك داهية››.. لذلك يخرج من بيته مغاضباً، لتلفت انتباهه ابنة الجيران تلك وهي على سطح دارها تنشر الغسيل.. عندها يُستجاب لدعاء الأم مباشرة، وتأتي ‹‹الداهية›› للمسكين من حيث لا يدري..

 

لتحذر الأمهات من هذا النوع من الدعاء.. فـ (كيوبد) ما زال يدَّعي أنه إله الحب، وما زال يجوب الأرض بحثاً عن ولدٍ أمُّه دعت عليه بمثل هذه الأدعية!

 

هذا النوع من الحب أعني به الحب الذي يصيب المغفلين (والقانون لا يحمي المغفلين) ينشأ بسبب أنهم عرفوا الطرف الآخر، فأعجبهم سلوكه وتصرفاته وأخلاقه وذكاءه.. وربما غباءه.. سواءً كان ولداً أو بنتاً.. هذا الحب ينشأ من معرفة للطرف الآخر.. معرفة تقود إلى الحب..

 

والحقيقة أنه إعجاب، وليس حبًّا!

 

حب من النظرة الأولى

[حب من النظرة الأولى]

 النوع الثاني من الحب هو الحب الأعمى، والذي يُطلق عليه ‹‹الحب من النظرة الأولى››.. هو حب أعمى لأنه يأتي على غير معرفة، فقط لأن الشاب صادف أن خفق قلبه بمجرد أن رأى تلك ‹‹الداهية››، لذلك فهو يحبها.. وفقط لأن البنت خفق قلبها صدفةً عند رؤيتها لذلك الأبله، إذن فهي تحبه.. هنا تنشأ قصص الحب التي نشاهدها ونقرأ عنها كل يوم، ولا تخلو جامعة أو كلية منها على الإطلاق..

 

يوماً ما سيخترع اليابانيون حتماً جهازاً يوقف القلوب عن الخفقان حين رؤية الآخرين، فنحيا الحياة الرغدة، وشعارنا: ‹‹بلا حب بلا وجع دماغ››.

 

وقبل أن يغضب مني المؤمنون بالحب العذري، فدعوني أطيِّب خاطركم بالنوع الثالث والأخير من الحب.. وهو حب من النظرة الأولى كذلك، لكن من جهة مختلفة عن السابق..

 

النوع الثالث يا سيداتي قبل سادتي هو أن يقع بصر الفتى على الفتاة، أو العكس، فينشأ بينهما رابطة حب حقيقية، وهي رابطة غالباً ما تكون رابطة سامية.. على عكس النوع الثاني!

 

الفرق بين النوع الثاني والنوع الثالث، أن النوع الثاني هو ‹‹حب الحب››.. أي أنني أبحث عن الحب، فأجد تلك الفتاة، لذلك أقع في حبها.. نستطيع التفريق بينهما حينما يتم الانفصال لا سمح الله، حيث يتعذب الفتى أشد العذاب، لكن فتاة أخرى تنسيه الحب الأول بسرعة، لذلك ينجذب إلى أي فتاة أخرى مُدعيًّا أنه يريد أن ينسى، وفي الحقيقة هو لم يحب تلك الأولى قط.. لكنه كان يبحث عن الحب بمعناه الشاعري المجرد.. وليس بمعناه الحقيقي.

 

النوع الثالث هو حب الطرف الآخر، وليس حب الحب.. وهو قويٌّ؛ لذلك فحين الفراق يتعذب المحب، وسيظل فترة من الزمن يشعر بأنه مطعون، وأنه قد فقد روحه، وأن، وأن، وأن… وهلمَّ جرًّا من مثل تلك الكلمات التي نقرأها كثيراً في الأشعار والقصص الرومانسية والمسلسلات العاطفية.. وتطورنا الآن فأصبحت مواقع التواصل الاجتماعية ملأى بمثل هذه التأوهات الباكية..

 

هذا النوع من الحب ينشأ من النظرة الأولى كذلك، وغالباً يكون له سبب ومسببات..

 

قد ترى الفتاةُ شابًّا فتحبه من النظرة الأولى، وهي لا تدري لماذا هو دون غيره من خلق الله، على الرغم من أنه أحمق، وأنه يرتدي نظارته بالمقلوب، وأنه يدخل أصبعه في أذنه قبل العشاء مباشرة، وأنه ينظف من حين وآخر أنفه بملابسه.. لكنها تحبه ولا تدري السبب!

 

وقد يحدث المِثل للفتى الذي يلتقي لأول مرة في حياته بفتاة، فيحبها ويشعر بأنها أَسَرَته، على الرغم من شعرها المنكوش، المخاطِ السائل من أنفها.. لكنه ــ بقدرة قادر ــ يحبها دون أن يعرف السبب لذلك!

 

علماء النفس يقولون بأن هذا النوع من الحب يحدث كثيراً، وهو يأتي لأسباب يجهلها الطرفان.. يقولون أنه قد يكون للفتى أمٌّ مثلاً يحبها كثيراً، وأنه يفتقدها.. ربما يفتقدها لأنها ماتت، أو لأنها بعيدة عنه، لذلك حينما يرى الفتى هذه الفتاة يحبها مباشرة من النظرة الأولى، فعقله الباطن اكتشف تشابهاً مثلاً في شيء بين هذه الفتاة وأمه.. هذا التشابه ــ أيًّا كان ــ هو سبب الحب الذي يجهله الفتى..

 

والشيء ذاته حصل للفتاة المنكوبة.. فهي قد رأت في الشاب تشابهاً لأبيها المرحوم الذي تحبه بجنون، وتفتقده.. لذلك فعقلها الباطن وجَّه إلى قلبها دعوة للحب بهذا الذي ينظف أذنيه قبل العشاء مباشرة، على الرغم من كل عيوبه!

 

هذا كلام علماء النفس، وهناك كلام جميل لابن القيم (رحمه الله) في مسألة الحب من النظرة الأولى ، تتلخص في أن القلوب التي تتآلف من غير أن تلتقي، هي قلوب التقت أرواحها يوماً ما.. فالإنسان حينما ينام تغادر روحه جسده، تجوب الدنيا وتلتقي بأرواح الآخرين، وقد تتآلف مع تلك الأرواح أو لا تتآلف.. وحينما تلتقي الأجساد في اليقظة، تتذكر الأرواحُ بعضها بعضاً، فتخبر القلبَ أنه قد وقع في المحظور، وجاء وقت الحب.. هكذا يحب الفتى فتاته، وتحب الفتاة فتاها، دون أن تعلم القلوب لماذا أحبت..

 

وأنا شخصيًّا يعجبني هذا التفسير!

 

هكذا تكونت أولى ثمرات السعادة، لم يبقَ إلاَّ أن يتقدم الشاب للخطبة، أو تتجرأ الفتاة لإخبار الشاب أنها تميل إليه، ليفهم.. فكثير من الشباب حمقى.. حقًّا هم بحاجة إلى صفعة على الخد لينتبهوا إلى مشاعر تلك المسكينة التي تهيم به حبًّا، وهم لا يكفون عن الصراخ أمام التلفاز: ‹‹جوووووووول››.. مثل هؤلاء يحتاجون فعلاً إلى تلك الصفعة.

 

حسن.. تمت الخطوبة.. لماذا نطيل؟.. لسنا هنا في قصة عاطفية، لكنها مقالة عن أمور لم نتحدث عنها بعد.. تمَّت الخطوبة، وهي مرحلة المفترض أنها لكي يسعى كل طرف معرفةَ الآخر أكثر فأكثر.. فحتى لو كان الشاب جاراً لهم، فهذا لا يعني أنه معروف لدى الأهل.. نظرة الأهل للجار تختلف عنها للخطيب، وللزوج، ولضحية المستقبل.

 

عصفورا خطوبة مثاليان

[عصفورا خطوبةٍ مثاليان]

 هنا يسعى كل طرف إلى أمْثَلَة نفسه.. أي إلى أن يُظهر نفسه على أنه مثالي!

 

الشاب لا يدخن، لا يشرب، لا يشخر في نومه، لا يعطس، لا يكح، لا يتكلم إلاَّ عند الحاجة.. وربما لا يفتح عينيه في الطريق حتى لا ينظر إلى النساء من حوله.. حتى ولو استدعى ذلك أن يرتطم بالجدار، لا بأس.. المهم أنني مثالي يا خطيبتي!

 

وأما الفتاة فهي في منتهى الأدب.. لا تصدر صوتاً عند الغرباء، قمة في الحياء، دائماً متقوقعة في بيتها لا تخرج إلاَّ لحاجة ملحَّة، فإذا خرجت فإنها ترتدي أسمك خيمة عندها، لا يهم حر الصيف، الأهم أنها لا تظهر على الرجال.. المهم أنني مثالية يا خطيبي!

 

هكذا يعيش الخطيب والخطيبة لحظات مثالية خادعة، ينظر كل واحد منهما إلى الآخر على أنه ملاك، وأنه (يوتوبيا) تمشي على قدمين، وأن حياتهما بعد الزواج ستكون أسعد حياة، سيعيشان في نبات وتبات، وسيخلفان صبياناً وبنات.. فلا خوف إذن من المستقبل.

 

ثم يأتي الزواج.. هنا تسقط الأقنعة ، ويكشف كل طرف عن وجهه الحقيقي..

 

يظهر الشاب أنه يدخن السيجارة كما تفعل أي مدخنة تحترم نفسها، ويتسكع في الليل حتى الصباح، ثم حينما يتمشى مع زوجته في الأسواق تجده ينسى وجودها، أو يتوه عنها، أو يخطئ كثيراً، فيتأبط تلك الحسناء لأنه يحسبها هي.. على الرغم من أن زوجته قصيرة تصل إلي ركبتيه، وأن هذه الحسناء طويلة يصل هو إلى ركبتيها.. كيف يحصل الخطأ؟.. لكن هذه من توافه الأمور بالنسبة للرجال.. النساء دائما تنتبه إلى توافه الأمور.

 

بالنسبة للزوجة الرقيقة الحنون، بعد الزواج تخلع عنها عباءة الرقة والحنان، فيظهر أنها ذات عينين حمراوتين، وأن لها أنياباً تخرج من مكان ما من فمها، وأن لعابها يسيل ليل نهار من شدقيها.. لن يستغرب الزوج بعد هذا المشهد أن تكون زوجته من الكانيبال أو مصاصي الدماء.. هذه أمور تحدث كثيراً.. وفي الأسواق يفاجأ الزوج أن زوجته لا تمشي على قدميها، بل إنها تركض.. تتقافز.. تستعمل أربعة أقدام للحركة.. وربما تعوي كذلك.

 

خلاصة القول أن الزوجين يكتشفان في النهاية أن ذلك الطرف ليس هو من تزوجه، ولكن كانت مثالية الخطوبة مجرد خدعة لا أكثر ولا أقل.

 

المشاكل الزوجية

[المشاكل الزوجية]

 هكذا تبدأ المشاكل والصِّدامات، وتبتعد السعادة عن الحياة شيئاً فشيئاً.. لكنها تستمر على أي حال.. لا بد أن تستمر.

 

بعد ذلك يأتي المَلِكُ ليستلم عرشه..

 

كلنا يعلم أنَّ الطفل ملك على الأبوين في طفولته، ثم يكبر ليصبح خادماً لهما.. وبعدها يأبق الخادم، ويخرج من بيت والديه إلى حيث ‹‹خرج ولم يعد››.

 

هذه عادة لم يكفّ الأبناء عنها منذ عرفناهم في هذه الحياة!

 

يأتي الملك، ويتربع على عرشه.. حينها تنشب الخلافات أكثر فأكثر بين الزوجين..

 

أحد الزوجين يتعامل مع الطفل بأسلوب الرقة؛ بحجَّة أن الطفل هش ولا يحتمل ضغوطات الحياة.. القسوة تسبب العقد النفسية، وعلى الطفل أن يدخل عالمه بالتدريج، وليس بالقوة.. هو كان في رحم مليءٍ بالحنان والعطف والحنو، وليس من المنطقي أن ينتقل على نحو مفاجئ إلى عالم القسوة والشدة.. الأمر سيأتي بالتدريج.

 

على أن الطرف الآخر لديه وجهة نظر تختلف.. الحياة قاسية، وعلى الطفل أن يعتادها وهو صغير.. الطفل الذي يدخل عالمه بالتدريج سيحتاج إلى التدريج في أموره كلها.. لن يتقبل أي تغير في حياته، ولن يتأقلم مع أي تحول في بيئته.. سيعيش هشًّا، ولن يتمكن من مواجهة تحديات الحياة.

 

لكل طرف منهما رأي ووجهة نظر، لكنهما يتشاجران ليثبت كل واحد منهما أنه الأصح، وأن الآخر على خطأ.

 

يقول طبيب النفس (جاك سامولي): ‹‹حينما تكون الأم (ماما)، على الأب أن يكون أباً.. وحينما يكون الأب (بابا)، على الأم أن تكون أمًّا››.

 

ليس أجمل من هذا الكلام نستشهد به هاهنا!

 

وأما عن المشاجرات فمسبباتها كثيرة، لكنني لن أتحدث إلاَّ عن متسبب واحد.. هو المتهم الذي علينا إعدامه لو استطعنا..

 

في الغرب يُعتبر أكبر مسبب للمشاجرات بين الزوجين هو الـ (……..)، لكننا نخجل من طرح موضوع كهذا هنا، فضلاً عن أننا هنا لا نواجه الكثير من المتاعب في هذه المسألة.. تلك مسببات تتعلق بالغرب المتحرر، الذي نجد فيه المرأة هناك تطالب بكل شيء.. في حين أن الرجال هنا ــ فضلاً عن النساء ــ سيعتبرون أنفسهم قد ارتكبوا أكبر الموبقات لو فكروا ــ مجرد تفكير ــ بينهم وبين أنفسهم أن يعتبروا هذا الأمر سبباً للخلاف!

 

بين صرف ما في الجيب، والقرش الأبيض

[بين صرف ما في الجيب، والقرش الأبيض]

 إذن لنتجاوز هذه النقطة، ولنتكلم عن مسبب آخر يحترم نفسه، ألا وهو المال، وميزانية الأسرة..

 

أكبر صراع في هذه المسألة هو حينما تختلف طريقة تدبير أمر الميزانية المالية.. أحد الطرفين سياسته تقول: ‹‹اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب››.. الطرف الثاني: ‹‹القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود››.

 

الأول يرى أن الحياة ليست معقدة بهذه الطريقة، وأن المال لم يُخلق إلاَّ ليُصرف، وإلاَّ فما فائدته؟ لماذا خُلق؟.. أليس هو والبنون زينة الحياة الدنيا؟.. فلماذا نكنز المال في جيوبنا وأدراجنا وصناديقنا والبنوك؟.. لكي يتلقفه أولادنا من بعدنا يتنعمون به في ما أحلَّ اللهُ وحرَّم؟!.. أليس لكل مجتهد نصيب؟.. نحن اجتهدنا، فحق لنا أن نأخذ نصيبنا..

 

وأما الطرف الثاني فيرى بأن الحياة لم تعد كما كانت سابقاً.. الدنيا في غلاء، والمعيشة لم تعد تحتمل المزيد من الصرف.. لا أحد يعلم الغيب وما يختبئ وراءه، فلا يدري الإنسان السليم إن كان في الغد سيبقى سليماً كما هو اليوم، أم ينهشه مرضٌ ما؛ كنهش الضواري لفرائسها.. قد يمرض أحدنا ويحتاج للعلاج، فمن أين ندبر له مصاريف العلاج؟.. قد نقع في ضائقة مالية، فمن أين لنا أن نُيسِّر الحال؟.. قد يتهدم بيتنا، أو يترمل أحدنا، أو يتيتَّم أبناؤنا.. فمن أين لنا بما يقضي لنا حوائجنا؟.. المال الذي نصرفه اليوم في الكماليات، لسوف تكون لنا به حاجة في المستقبل إلى الضروريات فلا نجده.

 

ومن ذلك تحدث المشاجرات، ويبتئس حالُ السعادةِ في البيت، وقد يلملم متاعه ويرحل بلا عودة مرجوة، شأنه شأن أي ضيف في منزل تكثر فيه المشاجرات والمشاحنات..

 

السعادة ضيفنا، فلنهيئ له المكان الملائم ليبقى.. وإلاَّ فلا نلومنَّ إلاَّ أنفسنا!

 

حسنٌ.. كبر الأطفال.. أصبحوا أولاداً وبناتاً.. ثم رجالاً ونساءً.. الآن كل واحد منهم يعيش حياته الخاصة.. منهم من يتزوج، ومنهم من يسافر.. منهم من يرتقي إلى مناصب عالية، ومنهم من يضيع مع من ضاعوا.. نسأل الله العافية!

 

في النهاية يبقى الأب والأم وحيدين.. ليس هناك من يؤنس لهما وحدتهما سواهما.. كل واحد هو الآخر.. هما الآن حبلٌ واحد، له طرفان.

 

1 + 1 = 2

[1 + 1 = 2]

 لقد حان الوقت الآن لدراسة المعادلات الحسابية..

 

في البدء كان لدينا (س = س).. و (ص = ص).. فـ (س) هو الشاب، ويساوي نفسه، والـ (ص) هي الفتاة، وتساوي نفسها..

 

تزوج (س) بـ (ص) فاقترن أحدهما بالآخر، لنجد لدينا معادلة علينا إتمامها: (س + ص =…….)

 

هناك من يقول أن (س + ص = س + ص).. هذا جميل، ولكنه كمن يفسر الماء بالماء.. ما فائدة الجمع إذن؟ ما فائدة المعادلة من الأساس؟

 

العاقل هو من يقول أن (س + ص = 2).. هنا يصبح الرمزان رقماً واحداً.. الشاب والفتاة إذا تزوجا لن يكونا مجرد شاب وفتاة بعد ذلك، بل هما (2).. ومعلوم أن (2) بمعنى زوج.. فكلاهما زوج.. كلاهما زوج للآخر..

 

يحمل هذا اللفظ (زوج) منتهى التلاحم بين أي اثنين!

 

هذه ملاحظة مهمة، علينا أن نعيها تماماً.. مشكلتنا أننا لا نكترث بها، ونصف من يشرحها بالتعقيد.. كلا، لستُ معقداً، بل أنا أحاول أن أوضح مدى علاقة الزوج بزوجته.. فهما بعد الزواج لم يعودا زوجاً وزوجة فقط، بل هما زوج واحد.. كائن واحد.. رابطة لا تحصل لأي اثنين مهما كانا، ولا حتى الأم بابنها، أو الأب بابنته.. عند الزواج تتحطم كل القيود، وتنزاح كل السلاسل.. هناك لا عيب ولا وقاحة بين الزوجين.. فكلاهما واحد..

 

بعد زواجهما يتحول جسداهما إلى جسد واحد، وروحاهما إلى روح واحدة.. أو لنقل بأنهما سيغدوان روحاً واحدة في جسدين.. منتهى الالتحام النفسي والمعنوي!

 

المرأة والرجل لكل واحد منهما تكوين بيولوجي مختلف عن الآخر.. الجسد والمخ وإفرازات الهرمونات في الغدد الصماء.. هناك اختلافات كثيرة، على أن هذه الاختلافات تمثل تكويناً بيولوجيًّا عجيباً، يجعلهما ــ مع اختلافهما ــ يكمِّلان بعضهما البعض، كالمغناطيس ينجذب موجبُه إلى سالبه، وكالشيء الذي له كينونة لا ينسجم إلاَّ مع الفراغ الذي بلا كينونة.. هذا هو ما يعرفه علماء النفس بنظرية ‹‹التكوين الانفصامي التكاملي››.. فمع انفصامهما وتناقضهما، إلاَّ أنهما يكمِّل أحدهما الآخر.

 

لهذا السبب، ومن أجل ذلك الالتحام النفساني والجسدي والروحي بينهما، كان الأحرى لأي زوجين أن يكونا صادقين مع بعضهما البعض منذ البداية.. في حبهما، وفي خطبتهما، وفي تربيتهما لأطفالهما، وفي تنسيقهما لميزانية أو تصرفات منزلهما بشكل عام.. ذلك الصدق هو ما سيحقق لهما سعادتهما حينما يغدوان كبيرين، ويبقيان وحيدين في عالم شيخوختهما.

 

المشاجرات تحصل، وهي ــ كما يلذ لنا القول ــ ملح الحياة.. ولكن حتى المشاجرات لها أسس وضوابط علينا احترامها وقت حدوثها..

 

الاحترام مطلوب، والسرية مطلوبة، وضمان الحقوق مطلوب..

 

إذا تشاجرنا فليس لنا أن نحتقر الآخر.. وإذا تشاجرنا فليس لنا أن نعلن للجميع أننا متشاجران.. وإذا تشاجرنا فليس لنا أن ننكر حقوق الآخر!

 

كلمة ‹‹أنت›› لنحذفها من قاموس مشاجراتنا.. إذا اتَّهمنا الطرفُ الآخر، فليس لنا أن ندافع عن أنفسنا بأن نقول له: ‹‹وأنت أيضاً كذا وكذا..››.. بل علينا أن ندافع عن أنفسنا بما هو حاصل، وإلاَّ فالاعتذار هو خير وسيلة للوصول إلى سعادة متبادلة فيما بيننا.

 

هناك أسس علينا اتباعها، فليحترم كل منا هذه الأسس.

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات