لسنا جهة معارضة

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

 

كلنا مواطنيون

[كلنا مواطنيون]

 في عمان كلنا مواطنون، ولا يحق لأيٍّ كان أن يطعن مواطناً في وطنيته، بل لا يحق لأيِّ كائن من كان أن يجعل نفسه ميزاناً في الوطنية، فيحدد هذا وطنيته ضعيفة، وذاك وطنيته أكبر.. وليس أهل مسقط أكبر من أهل صحار وطنية، ولا أهل الباطنة بأقل وطنية من مسندم، ولا العماني المهاجر وطنيته أقل من ذاك العماني الذي يكدح ويكد داخل حدود بلده.. كل إنسان وله ظروفه، والوطنية لها تعريف آخر بخلاف ما يعتقده البعض.

 

ليست الوطنية بلباس ترتديه، ولا بأشعار نرددها من أجل الوطن، نمتدح بها المشاريع المقامة والخدمات التي تُغدقنا بها الحكومة.. ليست الوطنية أن تمجِّد، فرُبَّ ممجد هو أكثر نفاقاً من متذمر، ورُبَّ متذمر قلبه أكبر وطنية من زمَّار وطبَّال يُغدق المسؤولين بأعذب ألحان المديح!

 

الوطنية مثلها مثل الإيمان؛ شيء وقر في القلب، وصدَّقه العمل.. الوطنية انتماء لهذه الأرض، لهذه الجبال، لهذه البحار.. لهذه الصحاري وهذه الطرقات وهذه الحارات.. لهذا الإنسان، أخاً كان أو جاراً أو صديقاً.. بل حتى إن كان مواطناً آخر لا تعرفه؛ هناك رابطة انتماء له عليك أن تعترف بها وتمجِّدها.

 

أنت وطنيٌّ بقدر اهتمامك بأخيك المواطن، وبقدر مراعاتك لظروفه، وبقدر ما تخدمه به.. أنت وطنيٌّ بقدر ما ترسمه من جمال لوطنك، فتوضح للآخرين أن هذا الوطن جميل بأهله وبأرضه وبعراقته الأخلاقية والتاريخية.

 

إن من يتحدث عن مشاكل حاصلة في وطنه ليس جهة معارضة، بل هو يريد الإصلاح، ويريد أن تنعم دولته بواجهة طيبة، تحترمه بها الدول المجاورة..

 

لباس أهل مسندم

[لباس أهل مسندم]

 عُرفنا منذ القدم، ويشهد التاريخ، بحسن استقبال الضيف، فإذا جاء يزرونا سائح ولم يجد الخدمات المناسبة لاستقباله، وشعر مواطن بالغيرة على وطنه، فقام وتكلم وتحدث، ونبَّه المسؤولين أن خللاً قائماً لا بد وأن يزال.. هذا رجل أبدى وطنيته، وليس جهة معارضة.. إن من يعارضه على غيرته هذه هو الجهة المعارضة التي يُخشى على وطنيته.

 

الوطنية ليست شعارات نرفعها ونتغنَّى بها، بل هي المحافظة على المواطن والاهتمام به، إن لم تتوفر الخدمات المناسبة له هنا في بلده، قمة الوطنية أن نهيء له الخدمات كي يتمتع بها في الدول المجاورة، أو في الدول البعيدة، على قدر استطاعتنا.. الوطنية إذا واجهت مواطناً مشكلة ما، سخرنا له جهودنا وساعدناه على اجتيازها.. الوطنية أن نحافظ على هذه الأرض الطيبة، فإذا أقمنا مشاريع فليكن اهتمامُ المشروعِ المواطنَ بشكل عام، لا المواطن بشكل خاص؛ أي أن تكون المنفعة عامة لا خاصة.

 

هناك خلط كبير بين الوطنية وبين الرسمية، وللأسف حتى مسؤولونا يقعون فيه.. أن تكون رسميًّا في زيك وسلوكك وواجهتك هذا شيء طيب، ولكن لا يعني بالضرورة أنها وطنية؛ بل الوطنية ألاَّ تتخلى عن زيك الوطني.. الزي الوطني هو الزي الذي ارتداه قبلك أبوك وجدك في وطنك، مدينتك، قريتك، بيتك.. حينما نرتدي هنا في مسندم الثوب العربي والعقال (وهو ما كان معروفاً منذ القدم في منطقتنا) لا يحق لأي مخلوق، حكومة كانت أو غيرها، أن تتهمنا بوطنيتنا، واللباس الرسمي الذي نتقيد به في أماكن عملنا، لا يتعدى كونه زيًّا رسميًّا.. من ارتداه لا نتهمه بوطنيته، ومن لم يرتده لم نتهمه كذلك.

 

قابوس بن سعيد: في أبهى إطلالة له

[قابوس بن سعيد: في أبهى إطلالة له]

 بل وحتى من لا يرتدي لباساً عربيًّا، لا يحق لأحد أن يتهمه في وطنيته.. هناك للأسف قوانين تمنع الموطنين في بعض المؤسسات أن يرتدوا الملابس التي يشاءون، مهما كانت محتشمة ونظيفة وراقية، والسبب أنها ليست وطنية، وهذا إخلال كبير في وصف الوطنية، خاصة وأن جلالة السلطان نفسه جاء بحمد الله سالماً معافى من ألمانيا، وهو يرتدي لباساً في قمة الشياكة والرزانة، وظهرت هيبته ورصانته للعيان، ولا يتجرأ أيُّ كائن من كان أن يتهمه بوطنيته، وهو المواطن الأول في عُمان، وقدوتنا الأكبر.. ثم نُتهم نحن أننا حينما نرتدي ما نشاء أنها خلاف للوطنية؟!

 

البعض يعاتبنا أننا نشوِّه سمعة الدولة بكلامنا وانتقاداتنا وملاحظاتنا، وأننا نُسمع الآخرين عيوبنا، وأن هذا ليس من الوطنية في شيء.. والحقيقة أن قمة الوطنية هي السعي للإصلاح، وكيف يكون الإصلاح من دون أن نذكر العيوب ونشير إليها كي ننتبه جميعاً إلى وجودها؟.. ثم إن سكتنا عنها، فالدولة ملأى بالسياح والزوار والرائحين والغادين، يرون عيوبنا ويتكلمون عنها بالفعل.. لا ينقص المسألةَ كلامٌ، إنما نكتب ونتكلم نحن وهدفنا الإصلاح، ومن يسمعنا يعلم أننا نسعى للإصلاح، ويشيد بنا، ولكن العيب أن نسكت عن العيوب، والأكثر عيباً أن ندافع عن العيوب.

 

صورة للسلطان حفظه الله يرتدي عقالا

[صورة للسلطان حفظه الله يرتدي عقالا]

 ثم إن هناك الإعلامَ، والشعراءَ، وكثيراً من الكُتَّاب والمزمرين، يمتدحون الدولة ليل نهار، يذكرون محاسنها ويمجِّدون مسؤوليها.. هذا صنع خللاً، والكفة غير راجحة، وعليه كان من الطبيعي أن يظهر في الطرف الآخر من يذكر المساوئ، وينبِّه إلى العيوب.. لا نسميهم جهة معارضة، فلا أحد منا يقف ضد الدولة في شيء ويعارضها؛ إنما هم يستهدفون الإصلاح، ونيتهم أن يروا وطنهم ومواطنيهم أكثر سعادة مما هم عليه الآن.. لو أن الإعلام كان متوازناً في مديحه وتسليطه الضوء على العيوب، ما ظهرت جهة تكرس نفسها للتحدث عن العيوب.. لكن التوازن مرغوب، لم توازن الدولة إعلامها، هذا أنتج بعضاً من المواطنين يحاولون الموازنة.

 

هناك الكثير من الإيجابيات في وطننا، وفي حكومتنا، وفي مسؤولينا.. لكن الكل تحدث عن هذه الإيجابيات، فنحن هنا نوازن ونذكر العيوب، وهذا واجبنا كمواطنين.

 

الوطنية هي الحرية؛ حرية في اللبس، حرية في الكلام، حرية في المذهب، حرية في الدين، حرية في العمل، حرية حتى في الأمل..

 

لا ينقصنا الأمن والأمان، لكن تنقصنا الكثير من الحرية.

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات