الخيال العلمي [1/2] أدب عالمي

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.
خيال علمي

ليس للخيال حدود

للأسف ، ليس لأدب الخيال العلمي اهتمام ملموس في الوطن العربي ، أما في الخليج العربي فالاهتمام به يضمحلُّ أكثر فأكثر ، على الرغم من أن تأثير الخيال العلمي واضح ، ليس فقط على عقولنا ، وإنما على واقعنا وحياتنا الإلكترونية ، التي كانت بذرتها نابعة من هذا الأدب العريق .

 

أما في خارج إطار الوطن العربي ، اهتم العالم بهذا النوع من الأدب اهتماماً كبيراً ، حتى أنه بات ظاهرة عالمية ، جذبت اهتمام مؤسسات وحكومات ومراكز علمية ، وجمعت الكثير من الهواة في تجمعات مختلفة محلية وعالمية ، حتى كوَّن بعضها لنفسها منظمات ، لم تلبث أن اُعترف بها رسميًّا .

 

فما هو هذا الخيال العلمي ؟

 

يصعب الإجابة عن هذا السؤال ، حتى المختصون في مجال الخيال العلمي لم يتمكنوا من الاتفاق على تعريف موحَّد يشمل جميع صنوفه ..

 

وهذا بديهي تماماً ، فالخيال بحد ذاته لا حدود له ، واتساعه يتزايد يوماً بعد يوم ، والأفكار النابعة من هذا النوع من الأدب ، سواء في الروايات والقصص ، أو في الأفلام والمسلسلات ، أو في المقالات العلمية المعتمدة ، هذه الأفكار تشعَّبت وتنوعت وازداد اتساعها ، حتى لم يعد تعريف واحد يشملها .

 

ينبثق أدب الخيال العلمي من أدب يسمى ( الخيال التأملي ) ، يشمل كلاًّ من : الرعب ، والفانتازيا ، والخيال العلمي .

 

أما الرعب فيعتمد على القصص المخيفة عن الجن والوحوش الخيالية ، وأما الفانتازيا فعلى الأساطير والحكايات الخيالية ، التي قد لا تعتمد على المنطق في أحايين كثيرة ، وأما الخيال العلمي فاعتماده على العلم بالدرجة الأولى ، والنظريات العلمية ، والحقائق ، حيث يخرج منها منطق خاص ، ممكنٌ حدوثه في أرض الواقع ، على الأقل نظريًّا ..

 

وقد يدمج الكاتب بين صنفين منهما ، أو بين الأصناف الثلاثة ، في رواية واحدة !

 

ولأننا اليوم نتحدث عن الخيال العلمي ، فلنركن الرعب والفانتازيا جانباً ، ربما سنتحدث عنهما مستقبلاً في مقال أو مقالين مستقلين .

 

ومن أهمية الخيال العلمي لدى الغرب ، خرجت مصطلحات كثيرة توضح تقسيماتها ..

 

في البدء كان ( الرومانسية العلمية ) هو المصطلح القديم الذي يشير إلى الخيال العلمي ، ثم بعد ذلك تمَّ اصطلاح ( Science Fiction ) ليشير إلى الخيال العلمي بشكل عام ، منها الأعمال الجادة ، ومنها الأعمال العبثية التي ينتجها الهواة والعابثون .. ولكي يتم التفرقة بين العبث والجاد من هذه الأعمال ، تمَّ في السبعينيات من القرن العشرين ابتكار مصطلح ( Sci-fi ) ، ثم في عام 1978م ، أدخلت ( سوزان وود Suzanne Woods ) مصطلح ( Skiffy ) للدلالة على الخيال العلمي كفنٍّ أكثر منه أدب ، يدخل فيه النحت والرسم والتصاميم ، وغيرها ، أما أفضل الأعمال الخيالية العلمية وأنقاها ، وأكثرها تفضيلاً لدى الجمهور ، فهي الأعمال التي يرمز لها بمصطلح ( SF ) .

 

يصعب سرد تاريخ الخيال العلمي في مقالة واحدة ، ولكن مع دخولنا العصر الحديث ، يمكننا القول أن رواية ( ميكرو ميجا Micro-megas ) للكاتب الفرنسي ( فولتير Voltaire ) ، كانت أول عمل أدبي للخيال العلمي بشكل فعلي ، وتشاركها في ذلك رواية ( رحلات أوليفر Gulliver’s Travels ) لـ ( جوناثان سويفت Jonathan Swift ) ، ورواية ( سومنيوم Somnuim ) لـ ( يوهانز كبلر Johannes Kepler ) .. غير أن الكاتب الروسي الأمريكي ( إسحاق أزيموف Issac Asimov ) ، وعالم الفلك الأمريكي ( كارل ساكان Carl Sagan ) ، يرشحان ( سومونيوم ) أنها الأولى ، لما فيها من حبكة علمية أكثر دقة ـ على زمنها ـ من الأخيرتين .

 

وبمناسبة الحديث عن الحبكة العلمية في قصص الخيال العلمي ، يجدر بنا أن نقول أن الخيال العلمي من هذه الناحية ينقسم إلى قسمين : خيال علمي صعب ، وخيال علمي سهل .

 

( الخيال العلمي الصعب Hard SF ) يهتم بأدق التفاصيل العلمية والفلكية والرياضية والكيميائية وما سواها ، يحللها الكاتب ليجعل منها حقائق علمية ، وكثيراً ما قادت مثل هذه النوعية من الأعمال إلى تنبؤات مستقبلية ، أو اكتشافات علمية ، أو اختراعات تقنية ، غير أنه نوع مرهق من الأعمال ، ولا يكاد يقدر على قراءته سوى العلماء المتخصصين .

 

أما ( الخيال العلمي السهل Easy SF ) فيسمح للكاتب بتجاوز بعض الأمور العلمية والمنطق في سبيل خدمة السرد الروائي للقصة ، للوصول إلى حبكة أو هدف يقود القصة إلى غاية يريدها الكاتب ، يسمونها ( أدوات تمكينية ) ، بشرط أن تساعد في مسار القصة .. ويدخل ضمنها الخيال العلمي الاجتماعي ، الذي لا يحتاج كاتبها إلى مزيد من المعلومات والتعقيدات العلمية .

 

يتحدث الخيال عموما في مجالات عديدة ، يصعب حصرها ، مثلا :

 

* السايبر بانك Cyber Punk : مجال يتحدث عن مدن وهمية يتم خلقها اعتماداً على برامج حاسوبية .
* السفر عبر الزمن : وهي أشهر تيمة للخيال العلمي ، يكاد لا يخلو كاتب خيال علمي واحد من التطرق إليها .
* التاريخ البديل Allohistory [ اختصار : Alternate History ] ، أو ما يعرف بالـ ( أوكرونيا Uchronia ) : وهو تغيير مجرى الأحداث في تاريخ الأرض المعروف ، للتنبؤ بمصير الأرض لو لم يحدث ما حدث ، أو لو حدث ما لم يحدث .. ماذا كان سيحدث ؟
* الخيال العلمي العسكري : غالبا هو نوع من حروب كواكب أو حروب أجناس مختلفة .
* الخوارق العقلية ( ESP ) .
* الخارقون : من أمثال سوبر مان ، والرجل العنكبوت ، والرجل الوطواط ، وأمثالهما .
* نهاية العالم : سواء في دمار الأرض بسبب نيزك أو حروب أو تجارب علماء مجانين ، أو وصف لأحداث يوم القيامة وأرمجدون .
* أوبرا الفضاء ( Space Opera ) : مغامرات رومانسية ، أو ميلودرامية ، تحدث في الفضاء الخارجي .
* البحث عن الخلود : سواء للحياة إلى الأبد ، أو التجميد والسبات للبشر كي ينتقلوا إلى زمن آخر ، أو عالم آخر ، عبر تقنية ( كريونيكس Cryonics ) .
* وهناك نوع قذر من الخيال العمي [ لن أذكر ترجمته هنا ] وهو أشهر الأعمال وأكثرها رواجاً لدى الغرب .

 

هذه المجالات ، والعديد من مجالات أخرى كثيرة يتطرق إليها الخيال العلمي ، مما يجعل الإلمام بها وتفصيلها يحتاج إلى مجلدات وكتب تخصصية .

 

وقد اهتم الغرب بالخيال العلمي اهتماماً كبيراً ، فرصدوا له الجوائز والمسابقات ، كجائزة ( هوجو Hugo ) وجائزة ( نيبولا Nebula ) وجائزة ( ساترن Saturn ) وغيرها .. هذه الجوائز ، منها المتخصصة بالخيال العلمي ، ومنها ما يجمع الخيال العلمي بالرعب والفانتازيا .

 

هناك كذلك جوائز للخيال العلمي قومية ، كجائزة ( أورورا Aurora ) الكندية ، وهناك جوائز إقليمية كجائزة ( إنديفور Endeavour ) ، وهناك جوائز خاصة بأصناف أدبية فرعية مختلفة ، مثل جائزة ( تشيسلي Chesley ) الخاصة بفنون الخيال العلمي .

 

وإلى جانب الجوائز ، ثمة الكثير من النوادي والمؤسسات التي تُعنى بمجال الخيال العلمي ، وتقوم بعقد مؤتمرات لها ، لعلَّ أشهرها هو المؤتمر المعروف باسم ( Conventions ) ، ويتم اختصاره إلى ( CONS ) ، ويستفيد من هذا المؤتمر الكثيرُ من المدن العالمية ، ويهتم بجميع عناصر الخيال العلمي .

 

هذا غير الهواة المهووسين بالخيال العلمي وكلِّ ما يتعلق به ، كهواة الألعاب ذات الطابع الخيالي العلمي ، وهواة الموسيقى المصاحبة للأفلام الخيالية العلمية ، وهواة تجسيد الحيوانات على أشكال بشرية ، وغيرها من الهوايات التي شكلت لنفسها كيانات على أشكال نوادٍ ومنظمات .. هذا بخلاف الهواة المعروفين باسم ( FanFic ) ، وهم هواة لهم اتجاهات غير ربحية .

 

ومن المؤسف كل الأسف أن تهتم الدنيا كلها بهذا الفن الجميل ، ثم لا نرى للعالم العربي صوتاً فيه ، اللهم إلاَّ قلَّة من الكتَّاب المعاصرين دخلوا هذا العالم ، ورواياتهم ليس لها ذلك الرواج الذي نراه لبقية الروايات الأخرى .

 

في متحف العلوم في لندن ، عُقد مؤتمر حول الخيال العلمي ، صرَّح فيه العالم البريطاني ، باكستاني الأصل ( ضياء الدين سردار ) أن العرب هم أول من كتب في الخيال العلمي ، وكان ذلك في القرن الرابع عشر الميلادي ، وأول من كتب فيه هو عالم الفلك ( أبو عبد الله بن زكريا القزويني ) ، في قصة بعنوان ( الأعوج بن أنفق ) ، تحكي عن مخلوقات فضائية قدمت من الفضاء .. لكن البروفيسورة المتقاعدة ( ريمكه كروك Remke Kruk ) الهولندية المتخصصة في العلوم العربية في القرون الوسطى ، نفت هذا الأمر ، وأكدت أنها قرأت كل ما كتبه القزويني ، وأنها لم تقرأ ضمن كتبه أي شيء من ذلك ، بل إنه تحدث عن الملائكة والجن ، وهي مخلوقات لم تأت من كواكب أخرى ، وعليه لا يمكن اعتبار ما كتبه داخلاً في مجال الخيال العلمي .

 

ولكن إذا تجاهلنا ما قاله ( سردار ) عن القزويني ، فلا يمكننا تجاهل قصص ( ألف ليلة وليلة ) ، التي تطرقت إلى الخيال العلمي ، وإن كان نوعا ساذجاً منها ، وذلك باعتبار زمنه وعدم معرفة الناس به .. هناك رحلات السندباد مثلا ، التي تحوي مخلوقات غريبة ، ووحوشاً خارقة للطبيعة .

 

أما في العصر الحالي ، فإن أشهر الكتاب العرب في مجال الخيال العلمي هو ( نهاد شريف ) ، الذي توفي في الرابع من يناير 2011م ، الذي يعتبر ( عميد الخيال العلمي في الوطن العربي ) .

 

وإن ننسى فلا ننسى الدكتور ( نبيل فاروق رمضان ) الذي لم يحظ كاتب عربي بشهرته ولا بعدد معجبيه وقرائه في مجال الخيال العلمي كما حظي به ، وربما كان هو الكاتب العربي الأغزر كتابة في هذا المجال ، والأكثر تأثيراً على الجمهور من غيره من الكتاب العرب ، ومما يُحمد له أنه قد قام مؤخراً برصد جائزة للقصة القصيرة في مجال الخيال العلمي على مستوى الوطن العربي .

 

كذلك كاتب الخيال العلمي الدكتور ( رؤوف وصفي ) ، الذي لم يكتف بكتابة روايات خيالية علمية فقط ، وإنما كان يكتب دراسات عميقة متفرعة من أكثر من مجال علمي ، سواء في المجلات أو في كتب مستقلة .

 

وهناك كتاب آخرون ، منهم من لهم شهرة في هذا المجال ، ومنهم من يخطو خطواته أو يحبو فيه ، لكنه ـ والحق يقال ـ مجال صعب ، لا يتقبله القارئ العربي بسهولة ، غير أن الكاتب الذي يجد في نفسه القدرة على الاستمرار ، عليه أن يقبل التحدي ، ويخوض هذه المغامرة ، ليس للإعلاء من اسمه وليحظى بالشهرة ، وإنما لكي يوصل هذا الأدب المنسي المهمَّش إلى عقول الشباب العربي ..

 

إن نجاح الأدب العلمي في الوطن العربي هو نوع من الخيال العلمي .

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

  1. طارق الشحي
    21 ديسمبر,2013 - 3:28 ص

    أقف حائرًا عند مقالك هذا ، لا سيما عند خاتمة مقالك ، القاصمة لظهر البعير !
    استمتعت بهذا السرد الموجز عن فن من فنون الأدب ، و لعل سبب عزوف الأدباء العرب عن هذا الضرب من هذا الفن هو قلة يد الحيلة في اختلاق تلك العوالم ، و أصعب ما يكون فيها هو توليد الأسماء سواءَ للشخصيات أو الكواكب و النجوم عند تناول موضوع الفضاء و حرب النجوم .
    قراءتي في هذا المجال قليلة ، لكن تفاجئني تلك الكمية المهولة من المعلومات العلمية التي تعتبر هي لب هذا النوع الرائع من الأدب .
    شكرًا لما سطرته أناملك ها هنا .

    - (6)

  2. 14 يوليو,2014 - 3:15 م

    الاديب / محمد قرط الجزمى
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    من القاهرة أبعث لكم بأرق وأطيب تمنياتى

    سعدت للغاية بوجود أديب خيال علمى فى سلطنة عمان

    أرجو أن يكون هناك تعاون بيننا أولها انضمامك الى رابطة كتاب الخيال العلمى العرب

    التى أشرف بأن أكون منسقها العام وكذلك نشر بعض قصصى فى دولتكم الشقيقة

    مع خالص الشكر والتقدير

    د. رؤوف وصفى

    - (0)

  3. 14 يوليو,2014 - 3:32 م

    الدكتور رؤوف وصفي؟

    شرف كبير أن أتواصل معك أستاذي ، ولي الفخر بذلك

    لدي إيميلك وسوف أتواصل معك

    تحياتي العميقة لك

    - (0)