الخيال العلمي [2/2] واقع فاق الخيال

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.
بيونيكس

الخيال العلمي جعل خيال الأمس واقع اليوم ، وخيال اليوم واقع الغد

في عام 1828م ، وُلد الأديب الفرنسي الكبير ( جول فيرن Jules Vern ) ، والذي يعتبر مؤسس الخيال العلمي في العالم ، فقد كان يكتب بأسلوب عجيب ، يمزج فيه العلم بالخيال ، ويجعل من الأمور الخيالية أموراً واقعية ، يشرحها شرحاً مفصَّلاً ، حتى وكأنه يشرح قواعد علمية ثابتة .

 

ومن أمثال هذه الكتابات ، أخذ العلماء أفكارهم ، وطوروا الكثير من علومهم ، واخترعوا الكثير من اختراعاتهم .

 

( جول فيرن ) هو من أوائل الذين فكروا في السفر إلى الفضاء الخارجي ، في قصته ( من الأرض إلى القمر From The Earth To The Moon ) التي كتبها عام 1865م .. وهو أول من ابتكر الغواصة ، وشرحها شرحاً مفصلاً في قصته ( عشرون ألف فرسخ تحت الماء 20000 Leagues Under The Sea ) التي كتبها عام 1870م ، حتى أن العلماء حينما صنعوا الغواصة أول مرة ، صنعوها كما وصفها الكاتب دون أن يضيفوا إلى تصميمها الكثير .

 

ومنذ ذلك الحين ، اهتم العلماء اهتماماً كبيراً بأمثال تلك القصص الخيالية ، التي انتشرت في أوروبا على نطاق واسع في تلك الأيام ، وأصبح ( جول فيرن ) أباً للقصص العلمية الحديثة .

 

عالم الرياضيات والطبيعة ( ألبرت آينشتاين Albert Einstein ) تبنى فكرة السفر عبر الزمن بصورة علمية ، وهي في الأصل فكرة خيالية كتبها لأول مرة الكاتب الإنجليزي ( هـ. ج. ويلز H. G. Wells ) في قصته ( آلة الزمن The Time Machine ) .. والجدير بالذكر أن ( ويلز ) هذا يوازي صيته صيت ( جول فيرن ) ، ويعتبر كذلك أباً للخيال العلمي بدوره .

 

( آينشتاين ) هو صاحب النظرية النسبية ، التي تؤكد أن السفر عبر الزمن ليس بالأمر المستحيل ، لكنه لم يتمكن من إثبات ذلك في الواقع .

 

معروف علميًّا أن المادة ذات ثلاثة أبعاد ؛ الطول والعرض والارتفاع ، غير أن ( آينشتاين ) أضاف الزمن بُعداً رابعاً للمادة ، وما دام الزمن مادة ، فإنه يمكن التحرك من خلاله إلى الأمام وإلى الخلف .

 

والجدير بالذكر أن ( الولايات المتحدة الأمريكية ) تحاول جاهدة منذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي أن تحقق هذا الحلم العجيب ، وهم حالياً يُجرون تجاربهم لاختراع آلة الزمن ، ويدَّعون أنهم قد تمكنوا من السفر عبر الزمن في حدود ثوان معدودة ، وما زالت تجاربهم متواصلة ومستمرة .

 

وليست فكرة السفر عبر الزمن هي الفكرة الوحيدة التي اهتم بها العلماء من أفكار أدباء الخيال العلمي ، بل إن هناك الكثير من الأفكار التي كنا نظنها ضرباً من صنوف الخيال ، سعى العلم إلى تحقيقها وتجسيدها واقعاً ملموساً .

 

خذ عندك مثلاً هذه الفكرة ..

 

في الماضي كانت الخوذات عبارة عن لباس يرتديها المقاتل ليقي رأسه من ضربات سلاح العدو ، وتُصنع من المعدن القوي .. ولأن هذه الخوذات لم يعد لها نفع كبير في حروب هذا العصر ، فقد عكف العلماء على تصنيع خوذات من نوع آخر ، يليق بحروب الأسلحة التكنلوجية المذهلة التي نعيشها حالياً .

 

ففي المعامل العلمية ، تقام حالياً التجارب والاختبارات على خوذات خاصة للطيارين الحربيين ، حيث تقوم بقراءة أفكار الطيار ، وجسيمات جاما الصادرة من مخه ، وتحويلها إلى نبضات لا سلكية ، تقوم بأداء المطلوب فوراً ، وتعتمد هذه الخوذات على حقيقة أن سرعة الأفكار تفوق سرعة الأداء البشري .

 

هذه التجارب ما زالت قيد الدراسة والاختبارات ، ولم يتم تحقيق النجاح المطلق فيها بعد ، ولكن في عام 1995م ، تم طرح خوذات شبيهة بها في الأسواق اليابانية ، لكنها تستخدم في ألعاب الفيديو .

 

هذه الخوذات عبارة عن أجهزة معدنية معقدة ، تقرأ الإشارات الصادرة من الدماغ ، ثم تترجمها إلى إشارات كهربائية ، بحيث يتمكن الإنسان من التحكم بمسار نقطة محددة على شاشة لعبة الفيديو ، فقط بواسطة تفكيره .. وما زال الجهاز يتطور يوما بعد يوم .

 

وحديثنا عن خوذات المقاتلين يقودنا إلى فكرة خيالية أخرى ، هي فكرة مزج الآلة بالبشر .

 

كيف ذلك ؟

 

عن طريق مشروع أطلق عليه العلماء اسم مشروع ( سايبورج Cyborg ) ..

 

فكرة المشروع ــ التي قام الأطباء بدراستها في النصف الثاني من القرن العشرين ــ تعتمد على تركيب أجزاء آلية محل الأعضاء البشرية ، وإيصالها بالنهايات الطرفية العصبية للبشر ، فتتفاعل الأجهزة مع إشارات المخ ، لتعمل وكأنها أجزاء طبيعية للشخص ، ولكن بقوة أكبر ، وقدرة أعلى ، ثم تتم بعد ذلك تغطية الأجهزة بنسيج جلدي ، لتبدو وكأنها أعضاء حقيقية بشرية .

 

وعكف العلماء جاهدين لتحقيق هذا المشروع في سبعينات القرن الماضي ، وزرعوا بعض الأطراف الآلية لعدد من مصابي الحروب ، لكن نقص التمويل وقلة الإمكانيات حالت دون استكمال هذا المشروع .

 

وأكبر من مشروع المقاتل الآليِّ البشريِّ هذا ، نجد هناك مشروعاً آخر ، هو مشروع المقاتل الآلي الكامل .

 

فمُسْتَلْهَمُين من المقاتلين الآليين الخياليين ، التي لا تكاد قصة خيالية علمية تخلو منها ، قرر العلماء منذ ثمانينات القرن العشرين الماضي صنع مقاتلين آليين حقيقيين ، وبدءوا دراسة إمكانية ذلك بالفعل .. وفي بدايات عام 1987م ، وضعوا هذه الفكرة موضع التنفيذ ، بل ولقد أنتجت ( الولايات المتحدة الأمريكية ) بالفعل مقاتلين آليين ، يمكنهم استخدام أسلحة معينة ، وقيادة مركبات حربية ودبابات خاصة .

 

لكن هذه المقاتلات الآلية كانت ذات إمكانيات محدودة ، ولم تصل بعد إلى مرحلة التنفيذ الذاتي ، لتتعامل مع الخصوم كما يجب للجندي المقاتل أن يفعل .. غير أن العلماء يأملون الوصول إلى هذه المرحلة في سنوات قليلة قادمة ..

 

[ يمكن مراجعة روايتي ‹ إنسالات متمردة › ، للاطلاع على تفاصيل أشمل عن الرجال الآليين ]

 

كذلك من الأمور الخيالية التي ألهمت عقول العلماء أيضاً ، فكرة تزويد الآلات بخلايا حية ..

 

بدأت هذه الفكرة تراود العلماء منذ عام 1984م ، لكنها في الحقيقة ليست خلايا حية بالمعنى الحرفي للكلمة ، بل هي مواد كيميائية حيوية ، تقوم بنقل الخلايا من وإلى الخلايا الآلية .. وأقصى ما يتوقعه العلماء من هذه التجارب هو صنع آلة تتحرك من تلقاء ذاتها ، بدون قائد ولا توجيه .

 

العلماء تمكنوا بالفعل من تحقيق جزء من هذه الفكرة ، وهو جهاز موجود في أغلب طرز سيارات المرسيدس الحديثة ، هذا الجهاز يمنع السيارات من الارتطام بالسيارات الأخرى في أثناء انطلاقها ، ولديه القدرة على القيام بمناورة مُركَّبة دون تدخلٍ من السائق .

 

ومن الأمور الخيالية التي يسعى العلماء إلى تحقيقها كذلك هي طاقية الإخفاء ، أو إخفاء الأجسام عن الرؤية ، فقد بدأت المحاولات العلمية في هذا المشروع عام 1980م تقريباً ، وكانوا يحيطون الجسم بمجال كهرومغناطيسي متردد يعمل على إلغاء انعكاس الضوء على الجسم ، فينفذ الضوء من خلاله ، ليبدو للناظر أنه قد اختفى .

 

وقد نجحت ( الولايات المتحدة الأمريكية ) عام 1943م في إخفاء سفينة حربية كاملة من سفن أسطولها الأمريكي في مدينة ( فيلادلفيا ) ، وهذا سر من أسرارها رفضت الإفصاح عنه ، وأقصى المعلومات المتاحة عنه أن السفينة قد اُحيطت بضوء أخضر عجيب ، ثم اختفت تماماً أمام أعين عدد كبير من المسؤولين ورجال البحرية والعلماء ، ومن بينهم العالم ( آينشتاين ) ، ولم تُنشر تفاصيل هذه التجربة ونتائجها حتى هذه اللحظة ، وكل ما نعرفه جاء من تقرير كتبه الدكتور ( موريس ك. جيسوب Morris K. Jessup ) ، قال فيه أن ستة عشر بحاراً من طاقم السفينة قد لقوا مصرعهم ، أما الباقون فقد اُصيبوا بجنون دائم .

 

وأغرب من ذلك هي فكرة خيالية قرر العلماء تحقيقها ، وهي نقل الأجسام من مكان إلى مكان آخر ، دون عبورها حاجز المسافة ، وهو ما أطلق عليه العلماء مصطلح ( الانتقال الآني واللحظي Teleportation ) ، وقد توصلوا إلى قوانينه بالفعل في الستينات من القرن الماضي ، ومفادها أن الجسم ينتقل عن طريق تفكيك ذراته وجزيئاته ، وإعادة تخليقها في لحظة واحدة ، في مكان آخر ، دون عبور حاجز المسافة .

 

وتجارب العلماء في هذا الشأن نجحت جزئياً على الجمادات ، لكنها لم تتم على الكائنات الحية بعد .

 

وأشهر فكرة خيالية يسعى العلم إلى تحقيقها ، هي فكرة العيش على كوكب المريخ ، وصاحب هذه الفكرة هو ( جون آلان John Alan ) ، الذي أسس مذهب ( الفكر التشاؤمي ) .

 

يقول منهج الفكر التشاؤمي هذا أن الحياة على سطح كوكب الأرض أصبحت مهددة بالفناء والدمار ، وذلك بسبب ما أصاب البيئة من تلوث ، وبسبب تناقص الموارد ، مع تزايد عدد السكان بشكل مخيف ، ولا أمل في استمرار البشرية سوى بالهجرة الجماعية إلى كوكب المريخ ، وبناء حضارة جديدة ؛ لأن الإنسان لم يستغل موارد المريخ بعد .

 

وبسبب هذه الفكرة التشاؤمية ، أقام العلماء تجربة ( بيوسفير ــ 2 ) ، التي تسعى إلى إقامة قاعدة بشرية منعزلة على كوكب الأرض ، شبيهة تماماً ببيئة كوكب المريخ ، لدراسة إمكانية الحياة فيه ، مع توفر متطلبات الحياة صناعياً .

 

وما زالت التجارب مستمرة !

 

وحديثنا عن كوكب المريخ يقودنا إلى الحديث عن السفر في الفضاء ، وتجاوز مجال قدرتنا للوصول إلى ما هو أبعد من مجموعتنا الشمسية ، وذلك عن طريق أعجب التجارب العلمية قاطبةً ، وهي تجميد البشر ، باستخدام ( النيتروجين السائل Liquid Nitrogen ) .

 

يرى العلماء أنه عند حقن البشر بهذه المادة ، تتجمد خلاياهم تماماً ، ولكن تحافظ الدماء على درجة حرارتها ثابتة في العروق ، فتتعرض للتجلط .

 

هذه الفكرة راودت العلماء منذ النصف الثاني من القرن الماضي ، واعتبروها وسيلةً لاقتحام الفضاء والسفر إلى مجرات أخرى دون الخوف من عامل الزمن ، فدرسوا طبيعة الخلايا البشرية ، وبحثوا عن وسيلة لوضع الإنسان في حالة مؤقتة من السبات ، يتم فيها إرساله إلى الفضاء الخارجي عبر عشرات من السنوات الضوئية .. فإذا ما وصل إلى الهدف المنشود ، استيقظ من سباته العميق ، دون أن يزداد عمره يوماً واحداً .

 

التجارب نجحت على الحيوانات ذوات الدم البارد ، لكنها لم تنجح بعد على الحيوانات ذوات الدم الحار كالبشر .

 

وهكذا أيها القراء ، نجد أن العلم يعتمد على الخيال العلمي في أمور كثيرة ؛ ليبتكر ويطور الحياة من حولنا ، فيكون بذلك للخيال فضل على الواقع وعلى العلم والتكنلوجيا .

 

والأمثلة كثيرة لا نكاد نحصيها فيما يخص فوائد الخيال العلمي في حياتنا التقنية ، وما أكثر خيال الأمس الذي تحول إلى واقع ملموس اليوم ..

 

يكفي أن نعلم مثلاً أن أغلب ما تم إيراده من خيالات في سلسلة أفلام ( حرب النجوم Star wars ) قد تم تجسيده واقعاً ملموساً في أيدي العلماء اليوم .

 

إن الهواتف الذكية ، والصور ثلاثية الأبعاد ، والأقمار الصناعية ، وشاشات اللمس التي نتعامل بها اليوم ، كل هذه الأمور كان مجرد خيال بالأمس ، واليوم غدا واقعاً نعيشه ، كان الفضل الأول لهذا الواقع يعود لتلك الأفكار التي خلقت مجالاً من أمتع وأجمل الفنون الأدبية ، وهو الخيال العلمي ..

 

ذلك الخيال الذي تجاهله العرب ، وأتقنه الغرب ، وها هم الغرب يتنعمون بالسبق للوصول إلى قمة التكنلوجيا ، في حين نرشف نحن منها أقدم إنتاجاتهم ..

 

هم اهتموا بالخيال ، ونحن بقينا في واقعنا ..

 

بخيالهم ارتقوا ، وبقينا نحن في واقعنا مكانك سر ..

 

أو ربما : مكانك قف !

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات