على الأمة أن تتحدث بلغتها!

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

 

مصطفى لطفي المنفلوطي

[مصطفى لطفي المنفلوطي]

 في الجزء الثاني من نظراته، كتب العظيم (مصطفى لطفي المنفلوطي) رحمه الله مقالة في قمة الروعة بعنوان: [الضاد].. من استطاع منكم أن يقرأها فليقرأها..

 

مقالة تقشعر لها الأبدان، ويندى لها الجبين، وتبكي لها العيون..

 

مقالة تقارن بين أولئك العرب الأوائل كيف كانوا يعيشون في باديتهم المقفرة، حيث لا يملكون إلاَّ القليل من الخيام المبعثرة، وحيث ليست لهم الحاجة الملحة إلى اللغة حاجتنا إليها الآن، ومع ذلك تجدهم يتفنون في إطلاق خمسمائة اسم للأسد، وأربعمائة اسم للداهية، وثلاثمائة للسيف، ومائتين للحيَّة، وخمسين للناقة.. ومقارنة أولئك بنا نحن عرب اليوم، الذين نعيش في مدن فاخرة، زاخرة بشتى أنواع المواصلات، وأنواع الآلات، وغرائب الصناعات، ونحن أشدُّ حاجة منهم إلى ممارسة اللغة والتفنن بها، في حين أننا لا نعرف اسماً عربياً لآلاف من الأدوات الحديثة التي تضمها المعامل والمختبرات سوى القليل التافه، من أمثال المسرد، والمبرد، والمنشار، والمسمار!!!

 

لا فُضَّ فوك أيها المنفلوطي!

 

نحن عرب مثلما هم عرب، بل ربما نكون أفضل بيئةً منهم، فقد عاشوا في جاهلية مظلمة، لا علم فيها ولا فن، بل ويوجد بين أظهرنا القرآن، ولم يكن في حوزتهم إلاَّ القصاصات البسيطة من الأوراق المكتوبة، وهم على ما اشتهروا به من جهل وأميَّة..

 

كانت كل حاجتهم للغة تكمن في كتابة الشعر وإلقاء الخطب، في حين أن حاجتنا تتشعب إلى أمور علمية كثيرة ، وفنون تتفاوت في ضروبها..

 

ثم يأتي مثقفونا ويتساءلون عن السبب في أننا أمة لا تقرأ.. السبب واضح وجلي، وهو أننا مهملون للغتنا العربية، فلا نحن نتحدث بها، ولا نكاد نكتب بها، فضلا عن أن نطورها.

 

حينما بدأت عمليات التبشير (أو بالأحرى الاستعمار) على الجرمان، كانت أول خطوة قام بها المسيحيون هي أن طمسوا لغتهم، ونشروا فيهم اللغة اللاتينية القديمة، فاختلطت اللغة بين الشعوب، ومع هذا التغير طُمس الجرمانيون تماماً، ولم يبقَ من آثارهم سوى الألمان المنحصرين في قطر صغير من أوروبا، بعد أن كان الجرمانيون منتشرين في بقاع مختلفة من أوروبا..

 

هم لم يُطمسوا إلاَّ بعد أن طُمست لغتهم!

 

وكادت تونس أن تُطمس كذلك مع الاستعمار الفرنسي، أو ما يطلق عليه الغرب زوراً بـ (الحماية الفرنسية)، فقد لجأت فرنسا أول ما لجأت إليه ، محاولتها أن تُلغي اللغة العربية من البلد العزيز، وكادت تنجح كليًّا بالفعل.

 

فإذا لم تكن فرنسا قد نجحت في طمس اللغة العربية في تونس، فقد نجحت، كما نجحت معها بريطانيا وكل المستعمرين، أن يؤثروا كثيرا على هويتنا في الوطن العربي، وذلك أن زعزعوا لغتنا العربية، فبتنا نتراكض ونتسابق لتعلم اللغات الأخرى، ونقف أمام النحو والبلاغة العربية، نستاء من التعقيد المتشعب في فنونها..

 

هذا ضربٌ طفيف من التفرقةِ العربية وطمسِ الهوية، نجح المستعمرون (وما من دولة عربية إلاَّ واستُعمرت) في نشره بيننا.

 

إن هويات الأمم تقوم على قاعدتين أساسيتين: مبادئها، ومظاهرها.. إذا تزعزع جزء من مظهرها، فلا أثر كبير يحصل على الأمة، ولكن الأثر يقوم إذا تأثرت المظاهر كلها، أو تُرك مظهر واحد من قائمة المظاهر تماماً..

 

ولكن بالمقابل، إذا تزعزع جزء واحد من مبادئها، فمعنى ذلك زعزعة الأمة تماماً.. واللغة أهم مبدأ من مبادئ الأمم.

 

لن ندخل في التفاصيل الإحصائية (يمكن الرجوع إلى مقالتي “أمة اقرأ” للنظر في الإحصائيات) ولكن الكل يعلم أننا أمة لا تقرأ، فمع مقارنتنا مع الآخرين، نحن العرب أقل أمة تقرأ، ومع مقارنتنا بهم، نحن أقل أمة إصداراً للكتب، فنحن لا نكتب كذلك..

 

ما السبب؟

 

[Johann Gottfried Herder]

[Johann Gottfried Herder]

 يقول المفكر الألماني (يوهان جوتفريد هردر): ‹‹على الشاعر الحق أن يكتب بلغته›› ومفهومٌ أنه لم يقصد الشاعر تحديداً، وإنما عنى جميع من يملك قلماً أنه عليه أن يكتب بلغته..

 

إنَّ على الكاتب ــ كما وصف (هردر) ــ أن ينظِّم كتاباته باللغة التي يُبصر بها أعظم الإبصار، ويسيطر عليها أكبر سيطرة، ويعرفها أشد المعرفة؛ وهذه اللغة هي بلا شك اللغة الأم.

 

مشكلتنا أننا نتحدث اللهجات فيما بيننا، فإذا كتب كاتب، فإنه لا يكتب بلهجته، بل اللغة العربية الفصحى.. العامة لم يعتادوا كثيراً على الفصحى،؛ لذلك هم يهربون من الكتب، ويندمجون في مواقع التواصل الاجتماعية، يقرأون ما اعتادوا عليه: اللهجة العامية.

 

هذه حالنا نحن العرب، ولكن إذا انتقلنا إلى عالم الغرب والشرق، فإننا نجدهم يتخاطبون في حياتهم العادية بلغتهم الأم.. البريطانيون يتحدثون الإنجليزية البريطانية، والأميركيون يتحدثون الإنجليزية الأمريكية، والبرتغاليون يتحدثون الإسبانية، وكل دولة تتحدث لغتها الأم التي يكتبون بها، فإن كان هناك تغيراً بين اللغة الأم وبين ما يكتبون به، فإن التغير لن يكون كبيراً، ويظل الكلام مفهوماً إلى حدٍّ كبير، بعكسنا نحن العرب الذين نكتب بما لا نتحدث به في حياتنا العامة.

 

وصدِّقوني، لولا أن القرآن الكريم قد تكفَّل الله تعالى بحفظه، لكنا قد طُمسنا تماماً، وربما لن يبقى من تاريخنا إلاَّ ما سينقله عنا أعداؤنا المنتصرون، وسيكون تاريخنا أكثر سواداً من حلكة الليل، فالتاريخ ــ كما نعلم جميعا ــ أكبر عملية تزوير شهده الإنسان، يكتبه المنتصر على هواه.

 

لا أقول دعونا نطمس لهجاتنا ونعود إلى عربيتنا الفصحى، فهذا مطلب مستحيل؛ لكنني سأقمِّن دعوتي إلى أن نهتم أكثر بلغتنا العربية، فيكفي المرء منا أن يهتم بقراءة القرآن الكريم، فيختمه على الأقل في الشهر أو الشهرين مرة واحدة، عندها ستتوطد علاقتنا بالله تعالى أولاً، وبلغتنا العربية الفصحى بعد ذلك.. وتبعاً لذلك ستتوطد علاقتنا بهويتنا المتزعزعة..

 

ولنتعلم النحو، فإنه رمز لا تجده سوى في لغتنا الحبيبة، ويحوي على لذة ممتعة، فقط لو أننا تذوقناه..

 

إذا كان (هردر) قال: ‹‹على الشاعر الحق أن يكتب بلغته››، فأنا أقول: ‹‹على الأمة أن تتحدث بلغتها››.

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات