هذه بصَّتنا

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

 

الهدوء، الهدوء، الهدوء..

 

رحلة البحث عن الهدوء

[رحلة البحث عن الهدوء]

 اعتدتُ كلما أردتُ الارتواء ببعض الهدوء، لأغوص في أعماق نفسي، أفكر في حالي كيف كانت وإلى أين آلت، أو أخطط لبعض أحداث المستقبل المتواري خلف حُجُبِ الغيبيات، أو أحاسب نفسي (عبثاً) على جنون فادح أرتكبه كثيراً بين حين وآخر، أو أرتب لقصة أنسجها، أو مقالة أكتبها.. اعتدت إذا أردت شيئاً من ذلك أن أستقلَّ سيارتي، وأتجوَّل بها في طرقات خصب، أعبرها من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، وقد أصل إلى منطقة الخالدية، أو أخرج من خصب نفسها لأتجول دون هدف في شوارع رأس الخيمة، أجلس أمام البحر، أو أسير على غير هدى بين الأزقة، وقد أبحث عن طرق وشوارع ومسالك لم أمر عليها من قبل، ولو كنت ميسور الحال لكنت ابتعدتُ أكثر، أبيتُ يوماً أو يومين بعيداً عن كل ما يمكن أن يجعل هدوء النفس يضطرب..

 

شيء من جنون ربما، لكنه يريح لي عقلي كثيراً، ويرطب لي جوَّ نفسيتي حينما تكون في حضيض جفافها.

 

على أنَّ أغلب مكوثي المتواضع يكون جلسة صافية أمام شاطئ بصة، أقرأ كتاباً، أو أغرِّد في مواقع التواصل الاجتماعي، أو أنظر متفكراً في هذه المنطقة الرائعة، كيف كان أجدادي هنا يعيشون بين صخور جبالها، وخطوط أوديتها، وأمواج بحرها، ومسالك نخيلها.. وإذا كان عصر يوم الجمعة، ولم أكن قد قرأت سورة الكهف، أفتح جوالي وأقرأ من خلاله جميل الآيات.

 

حين تحاصرك الجبال في بصة

[حين تحاصرك الجبال في بصة]

 في بصة، أينما تولِّ وجهك فثمَّ جمال يتراقص أمام عينيك، الجبال تحيطك من الجهات الثلاث، تخبرك بتاريخ لا يُستهان به، رغم تغافل كتب التاريخ عنه، إلاَّ قليلاً.. هذه الجبال تنبئك أن ثمة حياة قد نبتت من بين هذه الصخور، حياة ما زالت باقية، ترسَّخت في عروق أبناء هذه الأرض وأوردتهم، تحمل الكثير من الغلظة والشدة التي تجعل ابن خصب يأبى إلاَّ وأن يعيش كرامته رغم شظف الحياة.. جبال تتسلسل في تلاحق عجيب، تصنع خيراناً متجاورة، عُمِّرت بين جنباتها دورٌ ومساكن كانت آهلة بالناس، بل إن بعضها ما زالت عامرة بأهلها، أبوا إلاَّ أن تستمر مناطقهم تعبق بأريج الحياة، ولم تمنعهم يد الحضارة من أن يبنوا حظائر لأغنامهم ودوابهم، وأقناناً لدجاجاتهم، أو بعض الحمائم..

 

جبال تشهد أن الحياة مستمرة مهما أُبيدت معالم بعضها، فعلى قممها تقف أطلال لمبانٍ طينية، لم تمحها يدُ الأبناء الفخورين بنتاج آبائهم وأجدادهم.. تقف بكبرياء من رحلوا، تبوح لنا بأسرارٍ، نعي بعضها، ويخفىٰ عنا بعضها الآخر.

 

في بصة تستنشق رائحة الطهر قادماً من خلف أمواج البحر، يرتطم على وجهك فيكسبك أريجَ البهاء الصافي، تنظر إلى سفن عتيقة مصنوعة من خشب، تتماوج مع حركة البحر، تروح يميناً تارة، وتتجه يساراً تارة أخرى.. تواجهك طوراً، وطوراً تُعرض عنك..

 

تمر بين الحين والآخر قوارب صيد، تمخر عباب البحر قريباً من الشاطئ، تمر رائحةً وغاديةً، تنظر إليها في فضول، فتبادلك النظرات والفضول كذلك.

 

وقد تتجمع بعض الطيور تسبح على سطح البحر، أو تستقر على رمل الشاطئ.. طيور موسمية مهاجرة، تراها في بعض فصول السنة، فيها جمال عجيب.. جمالها يكمن ليس في ريشها فحسب؛ بل في سلوكها الجذاب وهي تصيد السمك بمناقيرها، أو تقف بانتظام فطري، أو تطير في السماء مشكِّلة زاوية بديعة تشي بعظمة الله في تدبير شؤون خلقه.. وقد تقف على رمال الشاطئ، تفرد أجنحتها؛ أهي تجفف نفسها، أم تسبِّح بحمد ربها ولكن لا نفقه تسبيحها؟!

 

وبعيداً عن الطيور، يتجمَّع الناس هنا وهناك، فرادى وجماعات، شباباً وفتيات، معارف وعائلات.. كلٌّ على حدة، يستمتعون بجلساتهم أمام البحر، يتضاحكون ويتسامرون، قد أنساهم جمالُ المكان أن يشعروا بحرارة الجو ولهيب الشمس في القيظ.

 

بصة في منظر علوي

[بصة في منظر علوي]

 وأما في مواسم العُطل، أو الأعياد والإجازات، أو موسم الشتاء والبرد والهواء العليل؛ فيكثر السيَّاح، يتسابقون إلى الظفر بمكان ينصبون فيه خيامهم، بأبسط شكل وأيسرها، معتمدين على مظلات معدنية مقامة هنا وهناك، يلفُّونها بالخِرَق الغليظة الكبيرة، تحميهم من الشمس أو المطر، وتُضفي على جلساتهم الكثير من العزلة والخصوصية.. وقد يتوسع بعضهم فيبني لنفسه من بعض الخرق مُلحقاً أو ملحقين، يخصصهما لعزلة الرجال عن النساء، أو لعزلة مكان المبيت عن مكان السهر والسمر.. وربما جمعوا بعض الحجارة ليصنعوا منها أثافيَّ، تكون لهم مواقد ومطابخ.

 

في بصة البحر هادئ، يُغري بالسباحة، ليلاً كان الوقتُ أو نهاراً، صيفاً كان الفصلُ أو شتاء.. قلَّما تأتي هنا فتجد البحرَ متململاً، إذ لا بدَّ من أطفالٍ يلعبون معه ويسبحون، ورجالٍ يجدِّفون بسواعدهم يتسابقون، ونساءٍ على ضفاف البحر يتضاحكن وهنَّ يستحممن في شيء من خَفَر.. وقد يخدش حياءك شيءٌ من مشاهد عُريٍّ أجنبيٍّ، لكن تظل طبيعةُ المكان رغم ذلك طاهرةً عفيفةً.

 

في بصة تقف على الشاطئ، إما مترجِّلاً على قدميك، أو جالساً على بساط، أو مستريحاً بسيارتك متنعِّماً بشفافية الحياة، ولعلَّ لديك أطفالاً؛ فهم إمَّا يسبحون في البحر، أو يلعبون في الحديقة الخلفية البسيطة.. وفي كل الأحوال، لن تخرج من هنا إلاَّ وقد اكتست روحك بروحانية الجمال، خلعت عن نفسها همومَ العمل وضيقَ الحياة، التي لا تكفُّ عن جذبنا إلى القاع، فإذا روَّحت عن نفسك زالت تلك الهموم وذلك الضيق، فتخففتَ من بعض الأثقال والأحمال، لتعود من جديد إلى بيتك وأنت مبتهج مسرور، مرتاح البال، لا يقضُّ مضجعك همٌّ ولا غم.

 

هذه بصتنا في خصب، ولكل منطقة بصتها، لكن اخرجوا من منازلكم قليلاً، وألقوا نظرة إلى ما حولكم، واستكشفوا الحياة..

 

استكشفوا بصتكم، فهي في متناول أيديكم أينما كنتم.

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات