أغبى معارك الكون

محمد قرط الجزمي
مدير تحرير صحيفة خصب نيوز الإلكترونية.. كاتب وروائي، مؤلف رواية «الدماء تعود إلى مجاريها»، ورواية «من دون مرآة»، بالإضافة إلى سلسلة الخيال العلمي «الرَّوامح».. أما المجموعات القصصية؛ الأولى «حُب أسود»، والثانية «قد نموت ألف مرة».. تابعوا مقالاته هنا بين الفينة والأخرى.

 

أنت لست بلوني؛ هلمَّ نتقاتل

[أنت لست بلوني؛ هلمَّ نتقاتل]

 جميعنا يؤمن أن الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية.. نختلف، لكن يظل الود قائماً.

 

على أن الواقع لا يشي أن الناس تفهم هذه الحكمة، وما أحوجنا إليها في زمنٍ الأخُ يقتل أخاه فقط لأنه يختلف عنه؛ وكأننا قطع شطرنج، أقتلك لأنك أبيض، وتقتلني لأنني أسود.. كل هذا لحماية الملك الكسول الذي لا يفعل شيئاً سوى المكوث في مملكته.

 

تحدثنا قديماً عن الاختلاف في مقالتنا: (اتفاق على الاختلاف) وقلنا أن الاختلاف شيء إيجابي محمود، وليس أمراً يستوجب القضاء عليه، لكن يبدو أن هناك من يختلف عنا في هذا الرأي، ويرى أن من يختلف عني يجب أن يباد، والجنس السامي هو من عليه أن يبقى على هذه الأرض.. هذا شعار قديم، انتهجه هتلر في سعيه لاحتلال العالم، فأشعل حرباً عالمية، أفضت إلى مجازر لا نهاية لها.. والآن نجد كثيرا من الناس، من كل الطوائف والديانات والفِرَق والمذاهب والأجناس تنتهج هذا المنهج من الإبادة في سبيل بقائه هو.

 

لنتخيَّل معاً أن أحد تلك المذاهب قد انتصر، واستطاع القضاء على كل ما سواه، هل سيهدأ الكون ويستقر من دون حروب ولا معارك ولا قتال؟

 

كلا بالتأكيد، فما زالت في الدنيا أمور كثيرة تختلف عنه.. سيعمد إلى الحيوانات ويفنيها، لأنها ليست من نوعه، سيقضي على الحشرات كلها، سيبيد جميع المخلوقات البحرية والطيور..

 

لنتخيَّل أنه نجح وفعل كل هذه الأمور.. هل سيهدأ؟

 

صراع الجنس المختلف

[صراع الجنس المختلف]

 هناك ذكر وأنثى في الحياة، وهما مختلفان، وعليه سيتعارضان ويتقاتلان ويتعاركان، وسيقضي أحدهما على الآخر.

 

هل سيهنأ المنتصر منهما بنصره؟ كلا بالطبع، فهو ليس فرداً واحداً في هذه الحياة، بل هناك الكثير منه، يختلفون عن بعضهم بشكل من الأشكال، سيتقاتلون ويتعاركون ويفجر أحدهما الآخر في مسجد أو صومعة أو أي مكان، عندها لن يبقى في هذا الكون إلا فرد واحد فقط، هو النوع السامي المنتصر على كل الإنواع.

 

لكن ما زالت المعضلة قائمة، ففي جسد هذا المنتصر اختلافات كثيرة وجب القضاء عليها؛ هناك يدان أحدهما أيسر والآخر أيمن، لا بد أن تزال إحداهما.. رجلان يمنى ويسرى.. هناك كبد وقلب وكلية وبنكرياس ومعدة وأمعاء، كل هذه وغيرها مختلفة عن بعضها البعض، عليه بأي وسيلة كانت أن يُفنيها كلها إلاَّ العضو السامي منها.. والعلم يتطور في المستقبل، والتقنيات تصل إلى مداها كما يقول كُتَّاب الخيال العلمي، لذلك لنفترض أن ذلك الإنسان قد بلغ مسعاه، واستطاع أن يعيش ككتلة واحدة متشابهة في كل شيء، أو لنقل مجرد كتلة من الطاقة، كالجن مثلاً.

 

هل سيهدأ حينها؟

 

الكون مختلف حوله، هناك المواد الصلبة والسائلة والغازية، وهناك الأجرام السماوية، وهناك الفضاء والأثير والمادة المظلمة في الكون.. هل سيترك كل هذه الأمور المختلفة عنه تتواجد في حيّز هو فيه؟

 

سنفترض خبالاً (لا مجال للخيال هنا) أنه قد استطاع دمج الكون كله في جسده، بحيث لا شيء سواه.. ماذا الآن؟.. لا شيء.. هو وحده في هذه الدنيا، سيشعر بالضيق والملل والسأم، إذ ليس هناك من يختلف عنه ليقاتله ويسعى ليفنيه.. ما العمل؟

 

لن يصل إلى أي نتيجة سوى أن ينتحر.. يقضي على نفسه ليخلو الكون كله إلا من غبائه.

 

يا ليته بدأ من حيث انتهى، فقتل نفسه قبل أن يحاول القضاء على من يختلف عنه.

تعليقات الفيس بوك :

أضف تعليقك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة خصب نيوز" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. تمنع التعليقات الطائفية او التي تتضمن شتائم او تعابير خارجة عن اللياقة والأدب وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى تنبيهنا باستخدام هذا النموذج .

التعليقات ()

لا يوجد تعليقات