تهت في الزمن، بل في أعماق الزمن، تقاذفتني الدقائق والثواني، حتى حططت على أرضٍ غريبة، كانت أرضاً واسعة ليس فيها سوى ثلاثة أشياء شامخة، وبدا جلياً عليها آثار الزمن، ثلاثة أشياء قذفت الرعب في قلبي فتسائلت فزعاً: لمن هذه القبور الثلاثة؟ و أين أنا أصلاً؟ و في أي وقت نحن؟ فأنا لا أرى أي شيء يدلني على الوقت، أنا تائه في غياهب اللاوقت، كل ما أتذكره أنني رميت ورقة في سلة للمهملات فحدث لي كل هذا، حتى إني لا أتذكر محتوى تلك الورقة.اتجهت نحو القبور وعيناي مثبتتان على شاهد إحداها لأقرأ المكتوب عليه، ولكن لا يوجد اسم ! القبر الأول فالثاني والثالث تحوي شواهد من دون أسماء أو تواريخ، شواهد صماء تعكس غموضاً مرعباً، فبدأ الخوف يتسلل إلى أعماقي، ولا بد لذلك أن يحدث فأنا الآن أقف أمام ثلاثة قبور على أرض مهجورة، لطالما شعرت أن النحس يلاحقني وها قد تأكدت !بدأت أرتجف بشدة، “أنا خائف ، ما الذي فعلته لأكون هنا؟”.فجأة و كجواب على سؤالي هبت رياح شديدة تحمل الكثير من الأتربة والحصى، فاحتميت منها خلف شاهد القبر الأول، وما أن هدأت الرياح حتى وقفت مكتئبا وبائساً ، لكنني لمحت شيئاً لم أنتبه إليه من قبل، فقد كان على القبر الذي احتميت بشاهده باب على الأرض، فالرياح التي هبت كانت سبباً في إبعاد الأتربة عن الباب ليكون واضحاً للعيان، اتجهت إليه بعد تردد وفتحته، فرأيت درجاً طويلاً يؤدي إلى الأسفل، وفي هذه المرة لم أتردد في النزول إليه فالفضول له دور في ذلك.نزلت إلى الأسفل والأفكار والأسئلة تتزاحم في عقلي، ما الذي سأجده في الأسفل؟ هل سيكون هذا هو المخرج من هذا المكان الصامت؟ ولكن وما إن وصلت إلى نهاية الدرج حتى تلاشت درجاته درجةً درجة إلى أن اختفت تماماً، وبدا وكأني أقف في اللامكان، أو بالأصح و كأني دخلت في الضوء ، أجل الضوء نفسه، فكل ما يحيط بي مجرد ضياء لامع، لا ألمح شيئاً لا من قريب ولا من بعيد، استغرقت خمس دقائق في استيعاب ما يحيط بي بالرغم من عدم وجود شيء يستحق النظر، وما لبثت أن سمعت صوتاً يقترب مني شيئاً فشيئاً، نظرت حولي فلم أرَ أحداً ، فنظرت إلى الأسفل فرأيته، لقد كان مجرد ظل من دون صاحب، بدا لي وكأنه ظل تائه أو حتى متمرد ، لم أرَ ظلاً يتسكع وحيداً في حياتي!؟سمعته يقول: عبد الله أهذا أنت؟ لم أرَ شخصاً يأتي إلى قبره من تلقاء نفسه من قبل، مرحباً بك..ارتعشت أوصالي تلقائياً ثم قلت: ماذا؟ قبر من؟ قبري أنا !!فأجابني الظل: نعم قبرك.فقلت بتردد: إذاً فأنا ميت الآن..ضحك الظل ثم أردف قائلاً: أنت لم تمت ولكنك ميت بالنسبة لنا.استغربت وقبل أن أتكلم أظلم المكان ثم أضاء بنفس السرعة التي أظلم بها ولكن هذه المرة رأيت صوراً وأحداثاً تدور حولي، لقطات تحلق في الفضاء فأمعنت النظر إليها فعرفت بطلها .. إنه انا !ظهرت لقطة لي وأنا أمسك ورقة اختيار التخصص وأختار اللغة العربية ثم أضحك وأقول: أعلم أنني اخترت التخصص الأسوء ولكن ظروفي لن تسمح لي باختيار تخصص غيره، أتمنى ألا يسألني أي شخص عن تخصصي فستكون فضيحة كبيرة حينها.تغيرت اللقطة إلى طالب يسألني عن تخصصي فأجيبه: تخصصي لغة انجليزية.ثم يسألني طالب آخر في لقطة أخرى نفس السؤال فأجيبه: الحاسوب.و هكذا.. لقد أنكرت تخصصي الأصلي إنكاراً تاماً ولم أبح به خشية الفضيحة.واستمرت اللقطات التي تدور حول هذا الموضوع، فقاطع اندماجي في تأمل اللقطات صوت الظل غاضباً: لماذا تُقلل من شأن تخصصك إلى هذه الدرجة؟أجبته: إنه اللغة العربية ! وهل تريدني أن أفتخر بشيء سخيف كهذا؟اهتزت الأرض من تحتي..صاح بي الظل من جديد: أتنعت العربية بالسخف وهي لغتك؟ ما الذي تركته لأعدائها؟ كم هذا مُشين، على أية حال هل تتذكر الرياح التي هبت هناك في الأعلى؟ من الذي أنقذك منها؟قلت: نعم أتذكرها وأحمد الله على نجاتي منها، والذي أنقذني هو شاهد هذا القبر الذي اختبأت خلفه.فقال الظل: إنه تخصصك أجل هذا قبر تخصصك العربية، وشاهده هو الذي حماك، وأنت يا من أنكرته دائماً، عليك أن تخجل من نفسك.فارتسم الاستغراب على وجهي وقلت: لكن لماذا؟ لماذا فعل تخصصي هذا بالرغم من … (فأمسكت رأسي فقد شعرت بصداع شديد) و قبل أن أكمل كلامي..قال الظل: هيا ارحل من هنا لقد قتلت تخصصك وخسرتني هيا ارحل.أمعنت النظر إلى الظل ثم صحت: أنت ظلي ! و لكن كيف ولماذا ابتعدت عني؟أجابني: أنا نفسي تركتك لأنك سببت الحزن لتخصص اللغة العربية وللعربية ذاتها، ولن أعود إليك إلا إذا سامحتك العربية.صحت بحزن: أنا آسف .. آسف . و لكن بلمح البصر رأيت نفسي من جديد أمام القبور الثلاثة، و قد حُفر على شاهد القبر الأول “هنا يرقد تخصص الطالب عبد الله”.فأحسست بقشعريرة تجتاح جسدي، و في تلك اللحظة بدأت الأرض بالانشقاق من حولي، كل شيء ينهار فالتفتُّ إلى القبر الثاني الذي لفتني إليه وجود تابوت مفتوح فوقه، فاتجهت اليه و قفزت داخله، أظن أنني صِرتُ مجنوناً فانشقاق الأرض واهتزازها جعلاني أتمسك بأصغر أمل في النجاة أراه أمامي، سأختبئ فيه حتى تهدأ الأوضاع.لم تكن له نهاية بل وكأني دخلت إلى الفضاء، كنت معلقاً في السماء وأرى حولي الكثير من الحروف و الكلمات تحلق بجلال وبهاء، وعندما وقعت عيناي على الحروف خطر النحو في بالي و كيف لا يخطر وكل ما حولي ينبض بانتمائه النحوي، كان من بين المحلقين أسماء الإشارة و حروف الجر و ضمائر المتكلم و المخاطب و الغائب، [تلك] كان لونها وردياً، [هو] لونها أسود، [هي] حمراء أنيقة، [في] ملونة بألوان عِدة، فاستغرقت في تأمل ألوانهم المختلفة الزاهية، لم أكن أظن أن اللغة العربية تحوي كل هذا البهاء والجمال، اختلافها وتفردها وأناقتها تجعل مني عاشقاً لها.فتقدمت مني [تلك] بعد تردد ثم قالت: هل أنت عبدالله؟هززت رأسي أي نعم.فصاحت: أنت شخص شرير لأنك دائماً تنعتنا بعديمي الفائدة والقيمة.ثم قال [هو]: ما الذي تريده منا أيها السجان؟فنظرت خلفي لأتأكد إن كان كلامهما موجهاً إليَّ أم إلى شخص آخر، و ما إن تأكدت من أنني المقصود قلت:لماذا تقول عني هذا؟ أنت مخطئ.فقال [هوٍ]: أنت لم تستخدمنا في حياتك وتجاهلتنا دائماً، وأنكرت وجودنا كذلك ونفيتنا بعيداً في أعماق عقلك فماذا تسمي كل هذا؟لم تُسعفني ذاكرتي أو حتى لساني للرد، فأنا فعلاُ مخطئ ومقصر تجاههم جميعاً.فأكمل [هو] كلامه: هل تذكر انشقاق الأرض الذي حدث هناك في الأعلى؟ قل لي أين اختفيت حينها؟فأجبته على الفور: رأيت تابوتاً فقفزت داخله.فرد علي: النحو، لقد احتواك النحو الذي كنت تُعرض عنه دائماً، النحو لا يقابل الإساءة بالإساءة لأنه ذو أصل راقٍ و نبيل.فأحسست بخجل من نفسي فأنا لم أحترم تخصصي ولم أقدر النحو حتى ! و ها أنا ذا الآن تحت رحمتهما ..فاقترب مني حرف الهاء الطفولي الذي ابتسم لي ثم قال: و بما أنك نسيت وأنكرت لُغتك العربية فلا مستقبل لك و عليك أن (…). لم أنتبه للكلمة الأخيرة ولكنني مددت يدي وتناولت مِعولاً قدمه إليَّ عدد من الضمائر ومن ثم وجدت نفسي أمام القبر الأخير، بعد أن نُقش على القبر الثاني “هنا يرقد النحو الذي قُتل على يدي الطالب عبدالله”، فجلست على الأرض ألتقط أنفاسي.ثم قلت لنفسي: آه ما الذي فعلته؟ كم أنا غبي لماذا أنكرت لغتي وانتمائي؟ وكما قال حرف الهاء شخص مثلي لن يكون له مستقبل و عليَّ أن ؟؟.. ثم بدأ عقلي بالتفكير وكأنه يستحضر الكلمة التي لم أستطع الاستماع إليها، إنها تتكون الآن في عقلي أجل عرفتها لقد قالت “ادفن نفسك”عَلَتْ الصدمة وجهي وابتلعت ريقي بصعوبة، هكذا اذاً و هذا ما يجب أن يحصل منذ البداية، إذاً فالقبر الثالث هو قبري أنا !أجل القبر الحقيقي، فبدأت بالحفر وكأن قوة ما تُسيطر علي وتُجبرني على الحفر، “هل أدفن نفسي الآن؟ إنها المرة الأولى التي أدفن نفسي فيها يا لصعوبة هذا الأمر، و باستمراري في الحفر سمعت صوتاً ما لأبيات شعر تتردد:
رجعـتُ لنفسـي فاتَّهمتُ حصاتي وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتيرموني بعُقمٍ في الشباب وليتني عقمـتُ فلم أجــزع لقـول عـداتي
قلت: يا إلهي هل ما أسمعه الآن هو صوت اللغة العربية؟ إنها تُعاتبني رباه اغفر لي جهلي و تقصيري.و أثناء حفري للقبر لاحظت بروز كلمات ما على شاهد القبر الثالث، لقد كانت و بكل وضوح “هنا يرقد مستقبل الطالب عبدالله”.ثم بسط الظلام أجنحته، فرأيت نفسي أقف أمام سلة المهملات التي ألقيت فيها الورقة التي بسببها تهت في الزمن، فاتجهت إليها وأخرجت الورقة، لقد كانت ورقة الواجب و بدأت أقرأ: “اكتب ثلاثة جمل تعبر فيها عن حبك للعربية”فقلت في نفسي: هذا قليل ، ثلاثة جمل فقط؟ و لكن ما يشغل عقلي الآن هل سامحتني اللغة العربية على تقصيري؟ وهل ستمنحني فرصة أخرى لتعويض ما سببته لها من أذى وحزن؟في تلك اللحظة عرفت جواب سؤالي، فبالرغم من الظلام المحيط بي إلا أنني تمكنت من رؤية ظلي العزيز كما لم أره من قبل.