تخيلوا الحادثة الآتية : يقول لكم أحدهم شيئا غريبا أو مزعجا وحين يلاحظ أن حالة من الغضب أو القرف قد سيطرت عليكم ، يعالجكم بالقول " هذا مجرد مزاح " من أجل أن يستبق ردكم الجاف عليه .

لكن ، سواء أكان كلامه مزاحا أم صدقتم أنه كذلك وافترضتم حسن النوايا ، ينتابكم شعور بأنكم قد تلقيتم صفعة قوية على الوجه .

وفي حالات كهذه ، ينطبق قول فرويد الذي يؤكد أن المزاح ليس مزاحا والكلام الذي قيل مقصود وحقيقي .

أما الناس الذين يقولون لكم كلمات مؤذية أو يفعلون أشياء مؤذية ليدّعوا من بعدها أنهم يمزحون معكم ، فإنهم يكشفون لكم عن حقائق كثيرة ، ليس أقلها المشاعر السلبية التي يحملونها تجاهكم .

ومن يمارس المزاح بشكل منتظم كثيرا ما يرغب في جذب الانتباه أو إثارة ردة فعل لديكم ، وهو قد ينجح في مسعاه ولكن ردة فعلكم قد تكون سلبية إلى درجة أنكم لن ترغبوا في التعاطي مع هذا الشخص في حياتكم أبدا .

في كثير من الأحيان ، ينجح " المزوح " ، أو مقترف هذه الجريمة الكلامية ، في زعزعة ثقتكم بأنفسكم .

يقول لكم بابتسامة لعوب ترتسم على وجهه : " ماذا ؟ هل غضبتم حقا ؟ أنا كنت أمزح معكم وحسب . أليس لديكم حس الفكاهة ؟ معقول ؟ " .

لكن الأصح أنه هو الشخص الهش والضعيف . ضعيف إلى درجة أنه عاجز عن التعبير عن مشاعره وعن حقيقة موقفه ، فيتهمكم بالهشاشة وسوء الفهم بحجة أنكم غضبتم من أشياء سلبية قيلت لكم وهي مجرد مزاح لا أكثر .

قد يقع الكثيرون منا ضحية هذا النوع من الأقوال السامة ، لذا يجب ألا نكتفي بسماع ما نريد أن يقوله لنا الآخرون ، بل يجب أن نسمع ما يقوله الآخرون حقا .

فالكلمات ليست مجرد حروف وأصوات ، بل هي أسلحة ماضية تكشف الكثير من الأمور المستورة ، إن تجشمتم عناء الانتباه والإصغاء إليها بتمعن .

وحينها ستدهشون من كم النوايا المبيتة التي سيكون باستطاعتكم الكشف عنها .
الأشخاص السامون يكشفون ما يفكرون به حقا من خلال أقوالهم السامة .


وكل مرة تسمعون فيها عبارة " هذا مجرد مزاح " ، كونوا على ثقة أن قائل هذه العبارة يعني حقيقة " أنا لا أمزح ، أنا أشعر بالضغينة ، بالحسد ، بالغضب ، بالخوف " وهذا كله ليس مزاحا البتة .